الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٥ - ألف الفكرة وعقل الإنسان
ولقد ابتعث الله الأنبياء (عليهم السلام) لكي يُذكِّروا البشر بما يملكه من نور العقل، وأن يقولوا للإنسان: ارجع إلى نفسك وعُدْ إلى عقلك لتجد فيه الحل السريع لكل مشاكلك. إذ إن الإنسان لا يمكنه تذكّر عقله مع أنه أقرب الحقائق إلى نفسه، لا يمكنه ذلك وهو يسترسل في طريق الهبوط مع طبيعته الجاهلة الضالة ويزعم أن المعلومات المضاءة بنور العلم والعقل هي حقيقتهما!.
إن هذا الإنسان لا يُمكنه أن يتنبه إلى عقله إلَّا بهادٍ مُؤيَّد بالغيب يهز فيه الفكر، ويُوقظ بداخله العقل. وهذا أولى وأسمى آيات رسالة كل رسول، والتي يلخصها الإمام أمير المؤمنين (ع) بالقول:
«فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ .. وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ»
[١]. وهكذا ينعت القرآن- وهو جملة رسالة النبي (ص)- ينعت القرآن نفسه بأنه تذكرة فيقول: طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى [٢]. ويجعل غاية التذكرة عودة الإنسان إلى عقله فيقول: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فيهِ ذِكْرُكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ [٣]، ويجعل آياته نورًا، لأنه يهدي الإنسان إلى العقل الذي يكشف له الحقائق الكبيرة في العالم، ويجعله مقياسًا ثابتًا ومبينًا لأنه يضع للإنسان منهجًا فريدًا للمعرفة ويجعله هاديًا إلى سبل السلام، وناقلًا للإنسان من ظلمات الجهل حيث يغفل الإنسان عن عقله ويتيه في الضلالات، فيقول سبحانه: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبينٌ (١٥) يَهْدي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْديهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقيمٍ [٤]. وهذا النوع من التذكرة وظيفة الهداة إلى الله الذين لا يريدون فرض عقيدة على الإنسان، بل إنما يريدون توجيهه إلى الحقيقة ليراها بعقله، ولن يمكنهم ذلك دون إعادة إيمانه بعقله، واسترداد ثقته بتفكيره.٢- وقد تكون النفس واعية لما تملكه من نور العقل، ولكنها تتردد في بعض الموارد بسبب تشابه الموضوع على العقل، فمثلًا: لا ريب لدى النفس في أن الظلم منكر عظيم،
[١] نهج البلاغة، الخطبة رقم: ١.
[٢] سورة طه، آية: ١- ٣.
[٣] سورة الأنبياء، آية: ١٠.
[٤] سورة المائدة، آية: ١٥- ١٦.