الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٨ - الفلسفة الميكانيكية
هذه الحقيقة أيضًا، فالمواد الداخلة تدفع بالمواد المتبقية لإفساح المجال لها، ولولا التناقض لاستقرتا بأمان!.
٥- والنقطة الوحيدة التي نُريد أن نُركِّز عليها من الفلسفة الميكانيكية- والتي تُعتبر جوهر الفلسفة فيما يرتبط بالثقافة البشرية- تكمن في أن الحركة إذا وُجدت دامت. وسنُبيِّن قريبًا بإذن الله، علاقة هذه الفكرة بالثقافة، أما الآن فينبغي أن نعرف معنى هذه الفكرة وحجتها.
معنى هذا المبدأ أن للكون خالقًا قديرًا أوجده وفصَّله أجزاءً، ودبَّره بقوانين دقيقة ومتوازنة، والتي منها قوانين التفاعل المتبادل الذي يقضي بأن تكون مادة الكون خاضعة لعدة نُظُم دقيقة تنقل الطاقة من جزء إلى جزء ثم تعيدها إلى ذلك الجزء، وهكذا تتحرَّك في عمليات دورية مستمرة.
ومثل ظاهر لذلك، دورة (المياه) التي تتبخر من البحار بفعل الحرارة، وتتحوَّل إلى أمطار، ثم تنتقل إلى أنهار، ثم وأخيرًا تسيل راجعة إلى البحار، وهكذا .. وشَبَّهَ أحد الفلاسفة الميكانيك، الكون بساعة آلية الحركة، صنعها القدير وجعلها هكذا تتحرك.
واحتج هؤلاء لذلك بأمرين:
ألف: ففي حقل الوجود خلق الله مادة الكون فلا زالت مستمرة موجودة إلى الأبد. وقالوا: إن تلك القوة التي حوَّلت العدم إلى وجود في عملية مهولة، جعلت منه حقيقة مستمرة لم نجد فيها حاجة إلى خلق مستمر.
وظواهر الكون تكشف لنا بوضوح عن ذلك، فالبناء الفخم يُشيِّده البناؤون ثم يدعونه ويبقى. والسيارة الضخمة يُبدعها صانعوها وتبقى مستمرة، وهكذا غيرها. وهذا دليل على استمرارية وجود الأشياء.
ب-- اء: وفي حقل الحركة التي تحكم مسيرة الوجود، قالت الميكانيكية: إن الأجسام الساكنة والمُتحرِّكة تبقى على وضعها إلى أن تؤثر عليها قوة خارجية. والدليل على ذلك أننا نرى بقاء حركة إطار السيارة الفارغ على أرض مستوية، بقاء حركته بعد الدفع بضعة لحظات. ولدى تقليل وزن الإطار واستواء الأرض وتخفيف الضغط الخارجي أكثر فأكثر يتحرك الإطار مدة أطول. وربما نستطيع أن نحصل على حركة لا تنتهي في الإطار بتهيئة