الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٥ - ١ - الحاجة إلى الإمام
.. الْإِمَامُ المُطَهَّرُ مِنَ الذُّنُوبِ، المُبَرَّأُ مِنَ الْعُيُوبِ، مَخْصُوصٌ بِالْعِلْمِ، مَوْسُومٌ بِالْحِلْمِ، نِظَامُ الدِّينِ، وَعِزُّ المُسْلِمِينَ، وَغَيْظُ المُنَافِقِينَ، وَبَوَارُ الْكَافِرِينَ.
.. الْإِمَامُ وَاحِدُ دَهْرِهِ لَا يُدَانِيهِ أَحَدٌ وَلَا يُعَادِلُهُ عَالِمٌ، وَلَا يُوجَدُ مِنْهُ بَدَلٌ وَلَا لَهُ مِثْلٌ وَلَا نَظِيرٌ، مَخْصُوصٌ بِالْفَضْلِ كُلِّهِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ مِنْهُ لَهُ وَلَا اكْتِسَابٍ بَلِ اخْتِصَاصٌ مِنَ المُفْضِلِ الْوَهَّابِ، فَمَنْ ذَا الَّذِي يَبْلُغُ مَعْرِفَةَ الْإِمَامِ وَيُمْكِنُهُ اخْتِيَارُهُ؟. هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ضَلَّتِ الْعُقُولُ، وَتَاهَتِ الحُلُومُ، وَحَارَتِ الْأَلْبَابُ! وَحَسَرَتِ الْعُيُونُ، وَتَصَاغَرَتِ الْعُظَمَاءُ، وَتَحَيَّرَتِ الحُكَمَاءُ، وَتَقَاصَرَتِ الحُلَمَاءُ، وَحَصِرَتِ الخُطَبَاءُ، وَجَهِلَتِ الْأَلِبَّاءُ، وَكَلَّتِ الشُّعَرَاءُ، وَعَجَزَتِ الْأُدَبَاءُ، وَعَيِيَتِ الْبُلَغَاءُ عَنْ وَصْفِ شَأْنٍ مِنْ شَأْنِهِ أَوْ فَضِيلَةٍ مِنْ فَضَائِلِهِ؛ فَأَقَرَّتْ بِالْعَجْزِ وَالتَّقْصِيرِ. وَكَيْفَ يُوصَفُ أَوْ يُنْعَتُ بِكُنْهِهِ، أَوْ يُفْهَمُ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِهِ، أَوْ يُوجَدُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ وَيُغْنِي غَنَاءَهُ؟! لَا، كَيْفَ وَأَنَّى وَهُوَ بِحَيْثُ النَّجْمِ مِنْ أَيْدِي المُتَنَاوِلِينَ وَوَصْفِ الْوَاصِفِينَ، فَأَيْنَ الِاخْتِيَارُ مِنْ هَذَا؟. وَأَيْنَ الْعُقُولُ عَنْ هَذَا؟ أَوْ أَيْنَ يُوجَدُ مِثْلُ هَذَا؟.
.. ظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ يُوجَدُ فِي غَيْرِ آلِ الرَّسُولِ (عليهم السلام) كَذَبَتْهُمْ وَالله أَنْفُسُهُمْ، وَمَنَّتْهُمُ الْبَاطِلَ فَارْتَقَوْا مُرْتَقًى صَعْبًا دَحْضًا تَزِلُّ عَنْهُ إِلَى الحَضِيضِ أَقْدَامُهُمْ. رَامُوا إِقَامَةَ الْإِمَامَةِ بِعُقُولٍ حَائِرَةٍ بَائِرَةٍ نَاقِصَةٍ ... رَغِبُوا عَنِ اخْتِيَارِ اللهَ وَاخْتِيَارِ رَسُولِهِ إِلَى اخْتِيَارِهِمْ وَالْقُرْآنُ يُنَادِيهِمْ: وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللّهِ وَ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ [١]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [٢]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقينَ [٣].
إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَئِمَّةَ يُوَفِّقُهُمُ اللهُ وَيُؤْتِيهِمْ مِنْ مَخْزُونِ عِلْمِهِ وَحُكْمِهِ مَا لَا يُؤْتِيهِ غَيْرَهُمْ
[١] سورة القصص، آية: ٦٨.
[٢] سورة الأحزاب، آية: ٣٦.
[٣] سورة القلم، آية: ٣٦- ٤١. إن النص يستشهد ببعض الآيات التي تذكر الإنسان بحقيقة الألوهية الكاملة والسيادة المطلقة التي يختص بها الخالق الرزاق المدبر، ويقول: ما دام الله هو الذي خلق فهو الذي يختار، وإذا اختار فليس لأحد أن يردّ اختياره إن كان من المؤمنين. وما دام الله يقضي فإن قضاءه هو النافذ دون المؤمنين الذين ليس لهم من أمرهم الخيرة. وإذا كان الأمر كله لله، ومن ضمنه قيادة الناس، فإن أي اقتراح آخر سيكون إنكارًا لهذه الحقيقة وسببًا من أسباب الشرك. وهكذا نفت الآية الأخيرة وجود شركاء لله وتساءلت أيهم يضمن وجود هؤلاء الشركاء؟.