الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٢ - ٤ - الأخلاق الإسلامية
إلى العمل بالخير ونبذ الشر، وإذا اتَّبع الناس عقولهم، أدوا حقوق بعضهم بعضًا، وزادوا بالإحسان إلى بعضهم بعضًا. وهل ترى سعادة خيرًا من هذا؟.
أما إذا غلب على الناس الجهل فانكب كلٌّ على عبادة ذاته والعمل لمصالحه الخاصة وتطرَّف كلٌّ في جلب الملاذ لها، فهناك يعم الظلم والطغيان والفوضى والحسد والحقد واستعباد الآخرين.
أما سَنّ القوانين، المدعَّمة بالعقوبات والتنظيمات، فهو لا يؤثر في إصلاح الناس أبدًا؛ لأن المجتمع الذي يتَّبع الهوى ويتَّصف بحب متطرف للمادة، هذا المجتمع لا يسنّ قانونًا إلَّا متأثرًا بهذا الحب ولا يطبقه إلَّا كذلك. ومن هنا فسوف يكون القانون والتنظيم وسيلة إلى تحقيق شهواته. أليس الإنسان هو الذي يسنّ القانون ويقر النظام، أترى أنه لا يُمكنه الخروج عليه إذا أراد أو إذا خالف شهواته [١].
ولنفرض أن الإنسان قد نجح في تشريعه وتنظيمه وقلع جذور الجريمة، فهل ينجح في إصلاح نفسه وتطهيرها من الحسد والحقد والقلق والاضطراب؟ فأية وسيلة يتبعها لذلك ما دام قد نبذ العقل واتَّبع الهوى؟.
٥- المؤثرات:
إن الإسلام يهدف بتوجيهاته أمرين:
الأول: زيادة العقل.
الثاني: تربية النفس [٢].
أي أن تجعل النفس بحيث لا تهوى الشر كثيرًا.
[١] عندما نعرض ميزات الإسلام التشريعية سوف نُبين أن تشريعات الناس لن تنفع في قلع جذور الشر والفساد.
[٢] إن هناك فرقًا بين الأمرين في أن زيادة العقل تؤثر في الإنسان، وإن لم تكن تربيته النفسية مساعدة للصلاح، فالفرد الموجَّه بالإيمان والإرادة والعقل يتمكَّن من تحقيق المعاجز في مغالبة نفسه وقهرها على الفضائل، ولو كانت نفسه تتوق إلى الشر بسبب من التربية الفاسدة أو المحيط المائع أو ما أشبه. ومن هنا فإن الإسلام يهتم بهذا الأمر كثيرًا، في حين أن التربية النفسية لا تفيد إلَّا بالنسبة إلى من رُبِّي في المجتمع المسلم ورُوعيت جميع أعماله بدقة متناهية. ومثل زيادة العقل كمثل زيادة قوة الجسم وحصانته عن الميكروبات، كما أن مثل تربية النفس كمثل حفظ الجسم عن دخول الميكروب إليه أو قتل الميكروب بعد أن يدخل؛ فالجسم القوي لا يبالي بالمكروب، وكذلك صاحب العقل الحاكم لا يخاف من المحيط أو التربية، ولكن الجسم الضعيف يراقب الميكروب حتى لا يدخل فيه.