الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٩ - ٤ - الأخلاق الإسلامية
٢- قوى النفس:
كل عمل يعمله البشر فإنما تعمله روحه بسبب جسمه، فالجسم آلة للروح [١]، (والأرواح القوية كأرواح السحرة والمرتاضين تعمل من دون الجسم أيضًا)، كما أن كل صفة يمتلكها البشر فإنما هي صفة نفسه لا صفة جسمه.
وفي النفس قوتان متعارضتان: قوة تجرُّها إلى الأرض، وأخرى ترفعها إلى السماء، وهما:
ألف: الجهل، وهو من طبيعة النفس وذاتها وتنسب إليه الجاهلية. وهو منبت كل رذيلة كالشرك والكذب والكفر وعدم العلم وعدم الإرادة [٢].
باء: العقل، وهو من الله سبحانه وهو أصل كل صفة حسنة كالعلم والحكمة ومعرفة الخير والشر والإرادة، وبه يدرك الإنسان كل ما يريد.
وأبسط دليل على ذلك: أن كل فرد يشعر في نفسه أن قوتين تتغالبان في ذاته: قوة تريد مصلحته الخاصة وقوة تريد الحق. وقبل كل عمل فيه مصلحة الإنسان من جانب وضرر الآخرين من جانب ثانٍ يجد الفرد نفسه في معركة داخلية. ومن الممكن أن تغلب إحدى القوتين على الأخرى فيقوم الفرد بفعل ما فيه مصلحته مثلًا دون أن يشعر بقوة أخرى تمنعه عنه، ولكن سرعان ما يجد في نفسه بعد إتمام العمل قوة تلومه وتوبِّخه، وهي القوة الثانية التي استترت حين العمل بعض الوقت وخرجت بعده تُوبِّخ وتلوم [٣].
ودليل آخر على ذلك: أنَّا نجد أن بعض الناس يعملون من الصالحات ما ليس لهم فيه مصلحة أبدًا، بل يقومون به لمجرد أنه عمل خيري، ولربما نكون نحن- وفي بعض الأوقات- قد عملنا أعمالًا لم تكن فيها مصالحنا أبدًا.
[١] في الحديث عن الإمام الصادق (ع)، أنه قال: «الرُّوحُ مَسْكَنُهَا فِي الدِّمَاغِ، وَشُعَاعُهَا مُنْبَثٌّ فِي الجَسَدِ بِمَنْزِلَةِ الشَّمْسِ دَارَتُهَا (عينها) فِي السَّمَاءِ وَشُعَاعُهَا مُنْبَسِطٌ عَلَى الْأَرْضِ، فَإِذَا غَابَتِ الدَّارَةُ فَلَا شَمْسَ، وَإِذَا قُطِعَتِ الرَّأْسُ فَلَا رُوحَ». بحار الأنوار: ج ٦، ص ١١١.
[٢] يمكننا أن نعرف ببساطة: لماذا تكون الرذائل من طبيعة النفس وذاتها؟، وذلك لأن كل ما يقترفه الإنسان من صفة نفسية سيئة كالكذب وما شابه ذلك فإنه إنما يرتكب ذلك لأن فيه هواه، أي أنه يحب ذلك؛ لأنه يتلذذ به أو بنتيجته. فنعرف من ذلك: أن هوى النفس وميلها مع الرذيلة. وإلى هذه الحقيقة يُشير الإمام أمير المؤمنين (ع) بقوله: «وَنَعُوذُ بِالله مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا».
[٣] قال الله سبحانه: وَ لا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ، (أي قسمًا بتلك الروح التي تُوبِّخ الإنسان على أعماله السيئة).