بينات من فقه القرآن(سورة الحج) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩ - تجليات البعث
كحياة الإنسان والحيوان.
والعبرة من كل هذا الذي يُرى هي أنه كما يستطيع الله تبارك وتعالى بقدرته وحكمته وإحاطته أن يُربي الأرض ويُنبتها من كل زوج مفيد، كذلك هو قادر على بعث الإنسان إلى الحياة مرة أخرى، ولكن لِعالَم آخر اسمه عالم الآخرة، رغم أن عظامه قد انماثت بتراب الأرض منذ دهور ودهور، فهو ينميهم ويربيهم وهم في قبورهم، كما ينمي الجنين في بطن أمه ويحفظه من الأخطار.
بلى؛ إن على المؤمن أن يتخذ من الحياة مدرسة، فتكون نظرته إليها نظرة اعتبار. ذلك لأن المؤمن يتعالى على بيئته، فلا يسمح لها بالتمكّن منه والسيطرة عليه، وإنما يجعل نفسه مؤثراً فيها. وبتعبير آخر؛ لا يصبح المؤمن جزءاً من بيئته يذوب فيها، بل يكون دائماً مسخِّراً لها مستقلًا عن مؤثراتها.
إن المؤمن من شيمته النظر إلى الأمور من علٍ ليعبر من خلالها إلى ما يكمن وراءها من السنن الإلهية، لئلا يكون كما الكافر جاهلًا فيجادل في الله بغير علم ولا هدىً ولا كتاب منير .. فيُفاجأ بالموت ويتمنى الإمهال بعدُ، ولات حين مناص.
إنّ هذه الخطابات القرآنية تسمو بابن آدم لكيلا يُغلق نظرته دون حقائق الأمور .. كما تدعوه إلى تحويل كل ما يراه إلى عبرة، تتحوَّل لديه غذاءً للروح وتنمية للعلم.