بينات من فقه القرآن(سورة الحج) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٥ - ويسنخ اللّه ما يلقي الشيطان
وثغرة أخرى طالما حُذِّر الإنسان منها، وهي محاولة تحريف الكلم عن مواضعه. وهذه المحاولة انعكاس صريح لمرض النفاق المُتكرِّس في قلب المُعادي للقرآن والرسول. وكم هو فضيع ابتلاء البشرية عبر التاريخ بهؤلاء المُحرِّفين لتعاليم السماء، وما ينجم عن عملهم البائس هذا، من تأويل باطل للوحي، أو إضافة خاطئة إليه، أو انتقاص مريب لبعض ما فيه، حتى وقعت البشرية دوماً ضحية هذه العملية المُتعدِّدة الجوانب (تحريفاً أو إضافة أو حذفاً).
ولعل فلسفة وجود هؤلاء المناوئين للأنبياء والرسل، وهؤلاء المسؤولين عن عمليات التحريف، ابتلاء الناس وامتحانهم، إذ كان من الضروري للناس أن يُميِّزوا بين الغثِّ والسمين قبل اتِّباعهم لحديث الحق أو لحديث الباطل.
والآية المباركة- مورد التدبر- من جملة الآيات المتشابهات التي لا بد من إعمال الدقة في فهم تفاصيلها، للخروج منها بنتائج مقبولة تُساعد على تكريس روح الإيمان في القلب.
١- وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ
فالنبي الخاتم ليس بدعاً من الرسل، وإنما هو امتداد لهذه السُّنة الربانية، والمتمثلة في كرامة الإنسان بالرسل، وعدم ترك البشرية في الفوضى، وفي ظلمات الضلال سادرين.
بلى؛ إن خاتم الأنبياء يمثل ذروة التواصل بين وحي الله والبشرية، وليست مهمات الأنبياء والرسل السابقين إلَّا تمهيداً لنبوته (ص)، ولو لم يكن هو خاتم الأنبياء والمرسلين، كان من المناسب أن تُضاف عبارة أخرى، مثل: بعدك، بعد كلمة مِنْ قَبْلِكَ.