تجريد الاعتقاد - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٢٧٩ - أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام
بكل مؤمن، رحيم رضي، ولي زكي، عليه رحمة و تسليم، و بركة و تكريم، من رب غفور رحيم، قريب مجيب.
وصيّتكم معشر من حضرني، بوصية ربكم، و ذكّرتكم بسنة نبيكم، فعليكم برهبة تسكن قلوبكم، و خشية تذري دموعكم، و تقية تنجيكم، قبل يوم يبليكم و يذهلكم. يوم يفوز فيه من ثقل وزن حسنته، و خف وزن سيئته. و لتكن مسألتكم و تملقكم، مسألة ذلّ و خضوع، و شكر و خشوع، بتوبة و نزوع، و ندم و رجوع. و ليغتنم كل مغتنم منكم، صحته قبل سقمه، و شبيبته قبل هرمه، وسعته قبل فقره، و فرغته قبل شغله، و حضره قبل سفره، قبل كبر و هرم، و مرض و سقم، يملّه طبيبه، و يعرض عنه حبيبه، و يقطع عمره، و يتغير عقله. ثم قيل هو موعوك، و جسمه منهوك، ثم جدّ في نزع شديد، و حضره كل قريب و بعيد، فشخص بصره، و طمح نظره، و رشح جبينه، و عطف عرينه، و سكن حنينه، و حزنته نفسه، و بكته عرسه، و حفر رمسه. و يتم منه ولده، و تفرق منه عدده، و قسّم جمعه، و ذهب بصره و سمعه، و مدّد و جرّد، و عري و غسل، و نشف و سجي، و بسط له و هيّئ، و نشر عليه كفنه، و شد منه ذقنه، و قمّص و عمّم، و ودّع و سلّم، و حمل فوق سرير، و صلّى عليه بتكبير، و نقل من دور مزخرفة و قصور مشيّدة و حجر منجّدة، و جعل في ضريح ملحود، و ضيق مرصود، بلبن منضود، مسقّف بجلمود، و هيل عليه عفره، و حثي عليه مدره، و تحقق حذره، و نسي خبره. و رجع عنه وليه و صفيه، و نديمه و نسيبه، و تبدّل به قرينه و حبيبه، فهو حشو قبر، و رهين قفر، يسعى بجسمه دود قبره، و يسيل صديده من منخره. يسحق تر به لحمه، و ينشف دمه، و يرم عظمه، حتى يوم حشره، فنشر من قبره، حين ينفخ في صور، و يدعى بحشر و نشور. فثم بعثرت قبور، و حصّلت سريرة صدور، و جيء بكل نبي و صدّيق و شهيد، و توحّد للفصل رب قدير، بعبده خبير بصير. فكم من زفرة تضنيه، و حسرة تنضيه. في موقف مهول، و مشهد جليل، بين يدي ملك عظيم، و بكل صغير و كبير عليم، فحينئذ يلجمه عرقه، و يحصره قلقه. عبرته غير مرحومة، و صرخته غير مسموعة، و حجته غير مقبولة، نشرت صحيفته، و تبينت جريرته. نظر في سوء عمله، و شهدت عليه عينه بنظره، و يده ببطشه، و رجله بخطوه، و فرجه بلمسه، و جلده بمسّه. فسلسل جيده، و غلّت يده، و سيق فسحب وحده، فورد جهنم بكرب و شدة، فظل يعذب في جحيم، و يسقى شربة من حميم، تشوي وجهه، و تسلخ جلده، و تضربه زبنيّته بمقمع من حديد، و يعود جلده بعد نضجه كجلد جديد، يستغيث فتعرض عنه خزنة جهنم، و يستصرخ فيلبث حقبة يندم. نعوذ برب قدير، من شر كل مصير، و نسأله عفو من رضي عنه، و مغفرة من قبل منه. فهو وليّ مسألتي، و منجح طلبتي. فمن زحزح عن تعذيب ربه، جعل في جنة بقربه. و خلد في قصور مشيدة، و ملك بحور عين و حفدة، و طيف عليه بكئوس، و سكن حظيرة قدوس، و تقلب في نعيم، و سقي من تسنيم، و شرب من عين سلسبيل، و مزج له بزنجبيل، مختّم بمسك و عبير، مستديم للملك، مستشعر للسرور، يشرب من خمور في روض مغدق، ليس يصدّع من شربه و ليس ينزف.
هذه منزلة من خشي ربه، و حذّر نفسه معصيته، و تلك عقوبة من جحد مشيئته، و سولت له نفسه معصيته.