تجريد الاعتقاد - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٢٧٨ - أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام
و قال عنه الشريف الرضي:
(... اذ كان أمير المؤمنين (ع) مشرع الفصاحة و موردها[١]، و منشأ البلاغة و مولدها، و منه (ع) ظهر مكنونها، و عنه أخذت قوانينها، و على أمثلته حذا كل قائل[٢] و خطيب، و بكلامه استعان كل واعظ و بليغ، و مع ذلك فقد سبق و قصّروا، و قد تقدم و تأخّروا، لان كلامه- عليه السلام- الكلام الذي عليه مسحة من العلم الالهي، و فيه عبقة[٣] من الكلام النبوي).[٤]
و من معجزاته (ع) خطبتان ذكرهما الاستاذ لبيب وجيه بيضون في كتابه تصنيف نهج البلاغة ص ٤٧٨- ٤٨١ نوردهما بالنص هنا لما فيهما من الفائدة و هما:
١- الخطبة الخالية من الألف
في المناقب روى الكلبي عن أبي صالح و أبو جعفر بن بابويه باسناده عن الامام الرضا (ع) عن آبائه عليهم السلام، انه اجتمع قوم من أصحاب رسول الله (ص) و تذاكروا في ان الألف اكثر دخولا في الكلام، فارتجل الامام علي (ع) الخطبة المونقة و هي:
حمدت من عظمت منّته، و سبغت نعمته، و سبقت رحمته غضبه، و تمت كلمته، و نفذت مشيئته، و بلغت قضيته. حمدته حمد مقرّ بربوبيته، متخضع لعبوديته، متنصل من خطيئته، متفرد بتوحيده، مستعيذ من وعيده، مؤمّل منه مغفرة تنجيه يوم يشغل عن فصيلته و بنيه.
و نستعينه و نسترشده و نستهديه، و نؤمن به و نتوكل عليه. و شهدت له شهود مخلص موقن، و فرّدته تفريد مؤمن متيقن، و وحّدته توحيد عبد مذعن، ليس له شريك في ملكه، و لم يكن له وليّ في صنعه، جل عن مشير و وزير، و تنزّه عن معين و نظير.
علم فستر، و بطن فخبر، و ملك فقهر، و عصي فغفر، و حكم فعدل، لم يزل و لن يزول، (ليس كمثله شيء)، و هو قبل كل شيء، و بعد كل شيء، ربّ متعزز بعزته، متمكن بقوته، متقدّس بعلوه، متكبر بسموه، ليس يدركه بصر، و لم يحط به نظر، قوي منيع، بصير سميع، رءوف رحيم.
عجز عن وصفه من يصفه، و ضل عن نعته من يعرفه. قرب فبعد و بعد فقرب. يجيب دعوة من يدعوه، و يرزقه و يحبوه. ذو لطف خفي، و بطش قوي، و رحمة موسعة، و عقوبة موجعة، و رحمته جنة عريضة مونقة، و عقوبته جحيم ممدودة موبقة.
و شهدت ببعث محمد رسوله، و عبده و صفيّه و نبيّه و نجيّه و حبيبه و خليله. بعثه في خير عصر، و حين فترة و كفر، رحمة لعبيده، و منة لمزيده. ختم به نبوته، و شيّد به حجته، فوعظ و نصح، و بلّغ و كدح، رءوف
[١]المشرع، تذكير المشرعة: و هي مورد الشاربة و المنهل الذي يستقي منه الناس.
[٢]حذا كل قائل: اقتفى و اتبع.
[٣] عليه مسحة من جمال كلام الرسول (ص)، «و العبقة»: الرائحة الطيّبة.
[٤]مقدمة نهج البلاغة للشريف الرضي (ره).