الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ٣٣ - الفصل السابع في حدة الواجب
إلى ما سبق من قوله ليس يمكن أن يكونا متكافىء الوجود إلى آخره أي إذا لم يكن أحد الواجبين علة مطلقة للآخر و لا لهما علة خارجة عنهما كذلك فلا يخلو إما أن يكون نحو وجود واحد منهما و حقيقته الخاصة به أن يكون مع الآخر أو لا يكون كذلك فعلى الأول يكون وجوده وجودا نسبيا تعلقيا كوجود الإضافات و الأعراض و الصور المنطبعة فكيف يكون واجب الوجود و هو من الممكنات الناقصة الوجود لا المستقلة الوجود كالجواهر المفارقة و كيف يكون علته الشيء الذي يكافيه في الوجود بل هي متقدمة عليه مطلقا و هو المتأخر عنها مطلقا فلا يكون سبب العلاقة بينهما من الطرفين كما هو شأن المتكافئين بل من جانب واحد كما هو شأن العلة و المعلول و أما على الثاني فلا يكون بينهما معية ذاتية و علاقة وجودية فيكون المعية طارئة عليه بعد تقرر وجوده الخاص كحال المتضايفين اللذين عرضت لهما الإضافة بعد وجودهما كالركبان مع السفينة و صاحب الدار مع الدار فإن لكل من الطرفين وجودا خاصا لا يكون بحسبه متعلقا بالآخر و لا معه ثم لحقه صفة بحسبها كان مع الآخر قوله و أيضا فإن الوجود الذي يخصه إلى آخره يريد التنبيه على أن هذا الشق الذي يكون المعية فيه طارئة على المتكافئين بعد وجود كل منهما الخاص به يحتمل قسمين أحدهما أن يكون أحد المعنيين علة للآخر و الآخر أن لا يكون كذلك فبين في الأول أنه و إن كان وجود أحدهما الخاص به متعلقا بالآخر لكن ليس متعلقا به من حيث هو مكافئة و من حيث يكون معه بل من حيث ذاته المتقدمة عليه بالذات و من حيث وجوده الذي يخصه كالأب و الابن و كالصانع و المصنوع فإنهما ليسا متكافئين في أصل الوجود بل في صفة لاحقة لهما هي معنى الأبوة و البنوة و معنى الصانعية و المصنوعية و مع ذلك يكون سبب المعية الطارئة و العلاقة الذاتية العقلية هو تلك العلة بوجودها الخاص المتقدم و بين في الثاني و هو أن لا يكون فيه أحدهما علة للآخر و تكون العلاقة عارضة لهما لازمة أو غير لازمة أنه لا بد فيه أن يكون العلة الأولى للعلاقة أمرا خارجا عنهما موجدا لذاتيهما و بتوسطهما للعلاقة الأرضية كما سبق فلا تكافؤ بين هذين القسمين من الشق الثاني إلا بالعرض سواء كان لازما أو مفارقا و الذي كلامنا فيه هو المتكافئان بالذات و في نحو الوجود الخاص و قد علمت أنه لا بد في المتكافئين بالعرض كالمتضايفين من علة سواء كانت العلة في أحدهما أو خارجا عنهما و على كلا التقديرين يكونان من حيث التكافؤ معلولين فنثبت أن التكافؤ العرضي أيضا بين الواجبين لو فرضنا و فرض لا ينفك عن معلولية أحدهما أو كليهما و هو ينافي الوجوب الذاتي فلو تحقق واجبان فرضا كانت بينهما مصاحبة اتفاقية لا علاقة ذاتية و لا عرضية أيضا و من الأغلاط الواقعة في هذا المقام أنه استدل بعض المشتهرين بالفضل على توحيد الواجب أنه لو وجد واجبان فلا يخلو إما أن يجوز انفكاك أحدهما عن الآخر أو لا يجوز فإن جاز يلزم جواز عدم الواجب و هو محال و إن لم يجز كان بينهما تلازم عقلي و التلازم يقتضي معلولية أحد المتلازمين أو كليهما و على الوجهين يلزم معلولية الواجب و هو محال فتعدد الواجب محال و الغلط إنما نشاء فيه من الاشتباه بين معنى الإمكان الذاتي و الإمكان بالقياس إلى الغير و المنافي للوجوب الذاتي إنما هو المعنى الأول دون الثاني كما علمت
[الفصل السابع: في حدة الواجب]
قوله إن واجب الوجود يجب أن يكون ذاتا واحدة يريد بيان نفي الشركة في وجوب الوجود بالذات و لنقرر دليله على وجه التلخيص ثم نرجع إلى حل ألفاظه فنقول لا يجوز أن يكون واجب الوجود بالذات إلا واحدا إذ لو وجد واجبا الوجود بالذات فلا يخلو إما أن يكون المعنى المتفق فيه لهما تمام حقيقة أحدهما حتى لا مخالفة له عن الآخر في أصل الحقيقة أو لا يكون كذلك فإن وافق هذا الآخر في أصل الحقيقة و خالفه في أنه هذا و هو ذاك فلا بد هاهنا من أمر يقارن تلك الحقيقة المتفقة فيهما الذي به يمتاز أحدهما عن الآخر و ذاك الأمر المقارن يكون لا محالة من قبيل العوارض اللاحقة الغير المتقومة لتلك الحقيقة المشتركة و كل عرضي معلل إما بنفس الحقيقة أو بعلة خارجة فإن كانت علة ذلك المقارن الذي يتميز هذا الواحد عن الآخر هي نفس تلك الحقيقة فلا تعدد في لازم الحقيقة فلم يكن الواجب الوجود إلا هذا الواحد و إن كانت العلة أمرا خارجا عنهما فيكون تعين الواجب الوجود بأمر خارج فلو لم يكن ذلك الأمر لم يكن واجب الوجود إلا واحدا فيلزم أن يكون واجب الوجود بذاته واجب الوجود بغيره و الحاصل إن لم يكن ذلك الأمر فلا يخلو إما يبقى واجب الوجود واحدا فيلزم ما ذكر و إلا فيلزم إمكان الواجب الوجود و كونه معللا بغيره و إن خالف أحدهما الآخر في المعنى و الحقيقة بعد ما وافقه في المعنى المتفق فيه فما به الاختلاف إن كان شرطا في وجوب الوجود فلا واجب إلا ما اتفق فيه فلا يكون فلم يكن إلا واحدا و إن لم يكن شرطا فيتحقق وجوب الوجود متفردا دونه هذا حاصل ما ذكره و أما ألفاظ الكتاب فقوله كل واحد منها في المعنى الذي حقيقته لا يخالف الآخر أراد بذلك الذي هو حقيقة كل منها تمام المهية النوعية التي لا اختلاف بين أفرادها إلا بالعوارض اللاحقة و إنما أتى بهذا اللفظ دون المهية النوعية أو النوع ليشتمل اشتراك الوجود بينها و الوجود كما علمت ليس بمهية نوعية و لا نوعا قوله قد قارنه شيء به صار هذا أو في هذا أو قارنه نفس أنه هذا أو في هذا يحتمل أن يكون مراده من أحد