الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ٢٤ - الفصل الخامس في الدلالة على الموجود
العلم مسبوق بتصور الوجود و العدم و السابق في التصور على الأولى أولى بأن يكون أوليا فتصور الوجود بديهي أولي الثاني أن علم كل إنسان بوجود ذاته غير مكتسب و هو متضمن الموجود المطلق فعلم بالوجود المطلق سابق على العلم بوجوده السابق على الأولى أولى بأن يكون أوليا فتصور الوجود بديهي أولي و لنا في هذا المقام خوض في عرفان الوجود ليس هنا موضع بيانه و أما بيان الثاني و هو امتناع تعريف الوجود فبأنه لو أمكن تعريفه فهو إما أن يكون بنفسه أو بأمر داخل فيه أو بأمر خارج عنه و الأول ظاهر البطلان و هو كون الشيء معلولا قبل كونه معلوما و كذا الثاني لأن أجزاءه إن كانت كلها وجودات أو معلومات أو بعضها كان الوجود الواحد وجودات و كان الفرد جزءا من الطبيعة و يلزم أيضا احتياج الشيء إلى مثله و إن لم يكن وجودية فعند اجتماعها إما أن يحدث صفة الوجود أو لا يحدث فإن لم يحدث كان الوجود عبارة عن الأمور العدمية و إن حدثت لها صفة الوجود فيكون ذلك المجموع مقدما عليه إما فاعلا أو قابلا له فيكون التعريف بالذاتي تعريفا بالخارجي هذا خلف و أما التعريف بلوازمه الخارجة فهو أيضا باطل لأنا ما لم نعرف وجود ذلك اللازم و اتصاف الوجود به لم يكن ذلك معرفا له و الاتصاف أيضا ضرب من الوجود لأنه عبارة عن وجود الوصف لشيء فيلزم تعريف المطلق بالمقيد بل تعريف الوجود بالموجود و أما بيان الثالث و هو أن الوجود أول الأوائل في التصور و ذلك لأنه أعرف الأشياء فإن معرفة كل شيء عبارة عن حصوله لنا و في ضمنه مطلق الحصول فمطلق الحصول أقدم و أعرف من حصول كذا و حصول ذلك و الحصول مرادف للوجود و هذا أمر وجداني و المنازع هاهنا مكابر قوله و لذلك من حاول إلى آخره اعلم أن قوما كانوا يحدون جميع الأشياء و حد الوجود أيضا لما التزموا ذلك و قد علمت بطلان ذلك و وجوب انتهاء المبادي في العلوم إلى الأوليات و أنه لا يتبين الشيء بما هو أخفى أو يساويه في المعرفة و الجهالة و قد علمت بطلان التعريف للوجود على الوجه المطلق من حيث إن كل ما يوصف به الوجود يوجب كون ما وصف به موجودا في نفسه و موجودا للوجود فذلك تعريف للشيء بما لا يعرف إلا به فإن الموجود من حيث إنه موجود لا يعرف إلا بالوجود فكيف يعرف به الوجود و منهم من عرف الوجود بأنه الذي ينقسم إلى القديم و الحادث و هما لا يعرفان إلا بالوجود مأخوذا مع اعتبار سبق عدم أو لا سبقه قوله و هذا إن كان و لا به إلخ مراده لو سلم أنها قسمان ذاتيان للوجود لازمان له بأن لا يخلوا عنهما البتة فهما من أقسام الموجود و الموجود أعرف منهما إذ كثيرا ما يتصور الوجود مع الذهول عن معرفتهما قوله لم يتضح لي ذلك إلا بقياس إلى آخره و من سخيف الكلام ما أورده بعض الناس على الشيخ من أنا نعرف الفاعل و المنفعل من طريق الحس من غير حاجة إلى قياس و لم يتفكر هذا القائل أن الفاعلية ليست من الأمور التي ينالها الحس و لم يتفكر أيضا أنها إذا كانت محسوسة فهي من أي جنس من المحسوسات و بأية حاسة يقع إدراكها و أعجب من هذا أن الشيخ قد نبه في الفصل الأول من هذا العلم على فساد زعمه حيث قال و أما الحس فلا يؤدي إلا إلى الموافاة و ليس إذا توافى شيئان واجب أن يكون أحدهما سبب الآخر فإذا لم يمكن إدراك مطلق السبب و المسبب بالحس فبأن لا يمكن إدراك الفاعل و المنفعل به كان أولى إذ العام من كل معنى أعرف من الخاص منه عند الحس أيضا كما عند العقل كما حققه الشيخ في أوائل الطبيعيات قوله و نقول إن معنى الوجود و معنى الشيء إلى آخره لما فرغ من بيان أن كلا من مفهومي الموجود و الشيء بديهي مستغن عن التعريف و إن كان لكل منهما ألفاظ مترادفة حاول بيان أنهما متغايران في المعنى و متساوقان في التحقق ليس أحدهما أعم تناولا من الآخر أما بيان الأول فيقوله فإن لكل أمر حقيقة هو بها ما هو إلى آخره و أما بيان الثاني فيقوله و لا يفارق معنى الوجود إياه إلى آخره و حاصل ما علل به للاختلاف بينهما أنه يصح أن يقال حقيقة كذا موجودة و لا يصح أن يقال حقيقة كذا شيء و في هذا التعليل نظر فإن للمنازع أن يمنع عدم صحة أن يقال حقيقة كذا شيء أو يمنع
الفرق بينهما في الصحة و عدمها و عكس الأمر فإن الجمهور اعترفوا بأن الحقيقة لائق حقيقة إلا عند اقتران الوجود بها فيكون قوله حقيقة كذا موجودة كأنه يقال المهية المقترنة لها بالوجود وجود و أما التعليل في عدم صحة أن يقال إن حقيقة كذا شيء لأنه غير مجهول فليس بتام لأنه ليس من شرط ما يصح أن يقال أن يكون مجهولا البتة فالبديهيات التي هي مبادي الأول صحيحة و إن كانت غير مجهولة قوله و هو الذي سميناه الوجود إلى آخره اعلم أن المفهوم من كلام الشيخ في هذا الموضع أن لفظ الوجود مشترك بين أمرين فقد يطلق و يراد به المفهوم العام البديهي و قد يطلق و يراد به المهية المخصوصة كمهية المثلث و مهية الإنسان و الحق أن لكل من الوجود و الشيئية مفهوم عام مشترك و أمور مخصوصة في الأعيان و الأذهان يطلق عليها ذلك المفهوم لا باشتراك الاسم فقط نعم الوجود مقول بالتشكيك على أفراده بوجوه من التشكيك ففي بعضها أقوى و في بعضها أضعف و في بعضها أقدم و في بعضها ليس كذلك و المهيات ليست كذلك و أيضا الوجودات الخاصة أمور مجهولة الأسامي شرح أسمائها أنه إنسان أو فلك أو مثلث أو غير ذلك ثم يلزم الجميع في الذهن الأمر العام