موسوعة الامام الخوئي - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٤٣٩ - مسألة الأمر بين الأمرين
المشيئة
تحقق الفعل، ومتى انعدمت انعدم. وعلى ذلك فمردّ ارتباط الأشياء الكونية
بالمبدأ الأزلي وتعلّقها به ذاتاً إلى ارتباط تلك الأشياء بمشيئته وإعمال
قدرته، وأ نّها خاضعة لها خضوعاً ذاتياً وتتعلق بها حدوثاً وبقاءً، فمتى
تحققت المشيئة الإلهََية بايجاد شيء وجد، ومتى انعدمت انعدم، فلا يعقل
بقاؤه مع انعدامها، ولا تتعلق بالذات الأزلية، ولا تنبثق من صميم كيانها
ووجودها، كما عليه الفلاسفة.
ومن هنا قد استطعنا أن نضع الحجر الأساسي للفرق بين نظريّتنا ونظريّة
الفلاسفة، فبناءً على نظريّتنا ارتباط تلك الأشياء بكافّة حلقاتها بمشيئته
تعالى وإعمال سلطنته وقدرته، وبناءً على نظريّة الفلاسفة ارتباطها في واقع
كيانها بذاته الأزلية وتنبثق من صميم وجودها، وقد تقدّم عرض هذه الناحية
ونقدها في ضمن البحوث السابقة بشكل موسع.
وأمّا نقطة الاشتراك: فهي أنّ المعلول كما لا واقع
له ما وراء ارتباطه بالعلّة وتعلّقه بها تعلّقاً في جوهر ذاته وكيان
وجوده، لما مضى من أنّ مطلق الارتباط القائم بين شيئين لا يشكّل علاقة
العلّية بينهما، فكذلك الفعل لا واقع موضوعي له ما وراء ارتباطه بمشيئة
الفاعل وإعمال قدرته وتعلّقه بها تعلّقاً في واقع ذاته وكيانه، ويدور وجوده
مدارها حدوثاً وبقاءً، فمتى شاء إيجاده وجد، ومتى لم يشأ لم يوجد.
فالنتيجة: أنّ المعلول الطبيعي والفعل الاختياري
يشتركان في أنّ وجودهما عين الارتباط والتعلق، لكن الأوّل تعلق بذات
العلّة، والثاني بمشيئة الفاعل لا بذاته، رغم أنّ صدور الأوّل يقوم على
أساس قانون التناسب ومبدأ الحتم والوجوب، وصدور الثاني يقوم على أساس
الاختيار، وقد تقدّم {١}درس هذه
{١} في ص٤٠٠.