الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام) - العاملي، جعفر مرتضى - الصفحة ١١٩
إمكاناته، وقدراته، بل هو لم يكتشفها بعد. ولعل مشكلته ناشئة من فقد التوجه الصحيح له، بعد أن فقد كافله.. ففرص النجاح أمامه متوفرة، وأمله كبير، وطموحه عارم.
وتحرك العاطفة لأجل فقر اليتيم، ليس بدرجة تحركها لأجل ذل ومسكنة المسكين.. ويتمه، لا يحرك الإنسان ليتخلى له عن طعامه، حتى في الحالات العادية. فكيف بعد طي يومين من الصيام المتواصل، واشتداد الحاجة للطعام؟!..
وحتى لو أراد أن يتخلى ذلك الصائم له عن شيء، فإنه سيقنع نفسه بأنه لا حاجة لأن يتخلى له عن جميع ما هيأه.. فضلاً عن أن يعطيه إياه ساعة الإفطار، وبعد أن وُضع أمامه، وبعد مضي يومين على الصيام.
وإذا أعطاه شيئاً، فإنما يعطيه طعام نفسه، ولا يعطيه طعام غيره كزوجته، وولده.. فكيف إذا كانت السيدة الزهراء (عليها السلام) هي الزوجة، وكان الولدان الوحيدان له طفلين صغيرين، ثم كانا هما الحسنان (عليهما السلام) بالذات، في ميزاتهما، وفي موقعهما من الدين، ومن الإسلام كله، وليس لهما على وجه الأرض مثيل، لا من الأيتام، ولا من غيرهم. وهما اللذان تتجلى فيهما ميزات الإمامة وخصائصها، بأجلى وأبهى مظاهرها..
وأبواهما كانا أعرف من كل أحد بهما، وبقيمة مزاياهما، وبكرامتهما على الله سبحانه، فهل يمكن أن يخاطرا بحياتهما، لمجرد احتمال حاجةٍ يدّعيها يتيم، ليس هو مثل الحسنين قطعاً؟! وهي حاجة ـ حتى لو كانت واقعية ـ فليس ثمة ما يدل على أنها تبلغ درجة الإحراج والعسر..