المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٨٦ - ذكر الشمس و القمر و النجوم
و قد أشكل هذا قوم غلبت عليهم الظواهر، و قل فهمهم، و ظنوا أنه قول السماء حقيقة، و أنها أخرجت شمسها بفعل، و هذا سوقهم، لأن قوله أتيا طوعا معناه كونا بتكويننا، و هو تقريب إلى الأفهام تقريره لا بد من فعل ما يريده لو قدرنا أن السماء موجودة أن يوافق أو يخالف، و يوضح هذا أنهما إن كانتا حالة الخطاب معدومتين، فالمعدوم لا يخاطب، و إن كانتا موجودتين استغنتا بوجودهما عن التكوين، ثم أي قدرة لهما في إخراج شمس أو قمر، و هل خالق إلا اللَّه، و إنما المراد كوني بتكويني إياك، و مثله [قوله] [١] تعالى: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [٢]. و قوله:
كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ [٣]. كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً [٤]، و هذا من توسع العرب في الخطاب يقصدون به اعلام المخاطب بسرعة التكوين.
قال مجاهد [في] [٥] قوله تعالى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [٦] قال:
مشرق الشتاء و مشرق الصيف، و مغرب الشتاء و مغرب الصيف.
قال ابن عباس: يطلع كل سنة في ثلاثمائة و ستين كوة، كل يوم في كوة فلا يرجع إلى تلك الكوة في ذلك اليوم من العام للمقبل.
و قد روى عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي صلّى اللَّه عليه و سلم أنه رأى الشمس حين غابت فقال:
«في نار اللَّه الحامية لو لا ما يزعها من أمر اللَّه عز و جل لأهلكت ما على الأرض»
[٧].
قال أبو الحسين أحمد بن جعفر: قد نظر بعض الناس أن ذلك دعاء على الشمس، و ليس كذلك، إنما هو وصف للعين التي تواري الشمس في قوله تعالى:
تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ [٨].
[١] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.
[٢] سورة: النحل، الآية: ٤٠.
[٣] سورة: البقرة، الآية: ٦٥، سورة: الأعراف، الآية: ١٦٦.
[٤] سورة الإسراء، الآية: ٥٠.
[٥] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.
[٦] سورة: الرحمن، الآية: ٣٨.
[٧] الحديث أخرجه أحمد بن حنبل في المسند ٢/ ٢٠٧، و ابن كثير في البداية ٢/ ١٠٧، و في التفسير ٥/ ١٨٨، و الطبري في التفسير ١٦/ ١٠.
[٨] سورة: الكهف، الآية: ٨٦.