المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٧ - نشأته العلمية و نبوغه
النقد فيه فقد قال عنه الإمام الذهبي: و له في كل علم مشاركة، لكنه كان في التفسير من الأعيان، و في الحديث من الحفاظ، و في التاريخ من المتوسعين، و لديه فقه كاف، و أما السجع الوعظي فله فيه ملكة قوية [١].
فلم يقتصر ابن الجوزي على فن واحد من فنون العلم، فهو نفسه يقول: «و لم أقنع بفن واحد، بل كنت أسمع الفقه و الحديث، و أتبع الزهاد، ثم قرأت العربية، و لم أترك أحدا ممن يروي و يعظ، و لا غريبا يقدم، إلا و أحضره و أتخير الفضائل» [٢].
ففي علم التفسير كان من الأعيان كما قال عنه الذهبي، فقد فسّر القرآن كله في مجلس الوعظ، كما قال: «ما عرفت واعظا فسّر القرآن كله في مجلس الوعظ منذ نزل القرآن، فالحمد للَّه المنعم» [٣] و قد كان من أبرز ما ألّف ابن الجوزي في القرآن الكريم هو كتاب «زاد المسير في علم التفسير»، و «المغني».
و في علم الحديث كان من الحفاظ، فقد كتب الحديث و له إحدى عشرة سنة، و سمع قبل ذلك على حدّ قوله [٤]. قال أبو محمد الدبيثي: إليه معرفة الحديث و علومه و الوقوف على صحيحه و سقيمه، و له فيه المصنفات من المسانيد و الأبواب و الرجال و معرفة ما يحتج به. و قال ابن الساعي في «الجامع المختصر»: روى الحديث عن خلق كثير و سمع الناس منه و انتفعوا به و كتب بخطه ما لا يدخل تحت الحصر، و خرج التخاريج، و جمع شيوخه، و أفرد المسانيد، و بيّن الأحاديث الواهية و الضعيفة [٥]. و قد كان من أبرز مؤلفاته في الحديث: «جامع المسانيد»، و «الحدائق»، و «الموضوعات».
و في الوعظ هو عالم العراق و واعظ الآفاق، فقد بدأ ابن الجوزي الوعظ في التاسعة من عمره، و هو سن مبكر يدل على ذاكرة واعية، و بديهة حاضرة، و ذكاء حاد، و نبوغ مبكر، لأن وعظه في هذه السن كان له أثره، و كان يحضر مجلس وعظه الكثيرون، يسمعون له، و يتأثرون به، فيقول ابن الجوزي عن مدى تأثيره في الناس: «وضع اللَّه لي
[١] تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/ ١٣٤٧.
[٢] صيد الخاصر ص ١٣٥. و لفتة الكبد ص ٢٤. كلاهما لابن الجوزي.
[٣] المنتظم ١٠/ ٢٥١ من طبعة الهند، الجزء الثامن عشر من هذه الطبعة.
[٤] المنتظم ٧/ ١٨٢ من طبعة الهند.
[٥] الجامع المختصر لابن الساعي ٩/ ٦٦.