المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٤٠ - ذكر ما جرى له بعد انفصاله عن مدين شعيب
و إن أمرت الأرض ابتلعته، و إن أمرت [الجبال] [١] دمرته، و إن أمرت البحار غرقته، و لكنه هان عليّ و سقط من عيني، و وسعه حلمي، و استغنيت بما عندي، و حق لي أني أنا الغني لا غني غيري.
فبلغه رسالاتي [٢]، و ادعه إلى عبادتي و توحيدي، و إخلاص اسمي، و ذكره بآياتي و حذره نقمتي و بأسي، و أخبره أني إلى العفو و المغفرة أسرع مني إلى الغضب و العقوبة، و لا يرعبك ما ألبسه من لباس الدنيا، فإن ناصيته بيدي ليس يطرف و لا ينطق و لا يتنفس إلا بإذني.
قل له: أجب ربك عز و جل فإنه واسع المغفرة، فإنه قد أمهلك أربعمائة سنة و في كلها أنت مبارز لمحاربته، تشبه و تمثل و تصدّ عباده عن سبله، و هو يمطر عليك السماء، و ينبت لك الأرض، لم تسقم و لم تهرم و لم تفتقر [٣] و لم تغلب. و لو شاء أن يعجل ذلك لك أو يسلبكه فعل، و لكنه ذو أناة، و حلم عظيم.
و جاهده بنفسك و أخيك، و أنتما محتسبان بجهاده، فإنّي لو شئت أن آتيه بجنود لا قبل له بها لفعلت، و لكن ليعلم هذا العبد الضعيف الّذي قد أعجبته نفسه و جموعه أن الفئة القليلة- و لا قليل مني- تغلب الفئة الكثيرة بإذني.
و لا تعجبنكما زينته، و لا ما يتمتع به، و لا تمدا إلى ذلك أعينكما، فإنّها زهرة الحياة الدنيا، و زينة المترفين، و إني لو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة يعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما فعلت، و لكني أرغب بكما عن ذلك و أزويه عنكما، و كذلك أفعل بأوليائي قديما فأخرت لهم في ذلك، فإنّي لأذودهم عن نعيمها و رخائها كما يذود الراعي الشفيق غنمه من مراتع الهلكة، و إني لأجنبهم سلوتها و عيشها كما يجنب الراعي الشفيق عن مبارك الغرّة.
و ما ذاك لهوانهم عليّ و لكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفرا لم تكلمه الدنيا و لم يطع الهوى.
و اعلم أنه لم يتزين العباد بزينة هي أبلغ من الزهد في الدنيا، فإنّها زينة المتقين، عليهم
[١] ما بين المعقوفتين: من مرآة الزمان ١/ ٤٠٣.
[٢] في مرآة الزمان ١/ ٤٠٣ «فبلغه رسالتي».
[٣] في المرآة ١/ ٤٠٤: «و لم تقشعر».