المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٣٩ - ذكر ما جرى له بعد انفصاله عن مدين شعيب
بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون يدب ليمس كأنه يبتغي شيئا يريد أخذه يمر بالصخرة مثل الخلفة من الإبل فيقبلها، و يطعن بالناب في أصل الشجرة العظيمة فيجتثها، عيناه توقدان نارا، و قد عاد المحجن عرفا فيه شعر مثل النيازك، و عادت الشعبتان فما مثل القليب الواسع، و فيه أضراس و أنياب لها صريف.
فلما عاين ذلك موسى عليه السلام ولى مدبرا، فذهب حتى أمعن [في البرية] [١]، و رأى أنه قد أعجز الحية، ثم ذكر ربه عز و جل فوقف استحياء منه.
ثم نودي: يا موسى، ارجع حيث كنت، فرجع و هو شديد الخوف، قال:
خُذْها بيمينك وَ لا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى [٢] و على موسى حينئذ مدرعة من صوف، فدخلها بخلال من عيدان، فلما أمره بأخذها ثنى طرف المدرعة على يده، فقال له ملك: أ رأيت يا موسى لو أذن اللَّه عز و جل لما تحاذر، أ كانت المدرعة تغني عنك شيئا؟ قال: لا و لكني ضعيف، و من ضعف خلقت، فكشف عن يده ثم وضعها في فيّ الحية حتى سمع حسّ [الأضراس] [٣] و الأنياب، ثم قبض فإذا هي عصاه التي عهدها، فإذا يده في الموضع الّذي كان يضعها فيه إذا توكأ بين الشعبتين.
فقال له اللَّه عز و جل: ادن، فلم يزل يدنيه حتى أسند ظهره بجذع الشجرة فاستقر و ذهبت عنه الرعدة، و جمع يديه في العصا و خضع برأسه و عنقه، ثم قال: إني قد أتيتك اليوم مقاما لا ينبغي لبشر بعدك أن يقوم مقامك أدنيتك و قربتك حتى سمعت كلامي، و كنت بأقرب الأمكنة مني، فانطلق برسالتي فإنك بعيني و سمعي، فإن معك يدي و بصري، و إني قد ألبستك جبة من سلطاني تستكمل بها القوة في أمري، فأنت جند عظيم من جنودي بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي بطر نعمتي، و أمن مكري، و غرته الدنيا عني، حتى جحد حقي و أنكر ربوبيتي، و عبد [غيري] [٤]، و زعم أنه لا يعرفني، و إني أقسم بعزتي لو لا العذر و الحجة اللذان وضعت بيني و بين خلقي لبطشت بطشة جبار يغضب لغضبه السموات و الأرض و الجبال و البحار، فإن أمرت السماء حصبته،
[١] ما بين المعقوفتين: من المرآة.
[٢] سورة: طه، الآية: ٢١.
[٣] ما بين المعقوفتين: من مرآة الزمان ١/ ٤٠١.
[٤] ما بين المعقوفتين: من المرآة ١/ ٤٠٣.