المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٢٨ - و من الحوادث التي كانت في زمن شعيب ملك منوشهر
مبسوطة، و الخراج يأتيه، فينبغي ألا يستأثر عن جنده و رعيته بما هم أهله، و أن يكثر العفو، فإنه لا ملك أبقى من ملك فيه العفو، و لا أهلك من ملك فيه العقوبة، و لأن يخطئ في العفو فيعفو، خير من أن يخطئ في العقوبة.
فينبغي للملك أن يتثبّت في الأمر الّذي فيه قتل النفس [و بوأها] [١]، و إذا رفع إليه من عامل من عماله ما يستوجب به العقوبة فلا ينبغي له أن يحابيه، و ليجمع بينه و بين المتظلّم، فإن صحّ عليه للمظلوم حقّ خرج إليه منه، و إن عجز عنه آدمي أدى عنه الملك [و ردّه إلى موضعه] [٢]، و أخذه بإصلاح ما أفسد، فهذا لكم علينا.
ألا من سفك دما بغير حق أو قطع يدا بغير حق، فإنّي لا أعفو عن ذلك إلا أن يعفو عنه صاحبه، فخذوا هذا عني.
و إن الترك قد طمعت فيكم فاكفوها بما تكفون أنفسكم به، و قد أمرت لكم بالسلاح و العدة و أنا شريككم في الرأي، و إنما لي من هذا الملك اسمه مع الطاعة منكم.
ألا و إن الملك ملك إذا أطيع، فإذا خولف فذلك مملوك ليس بملك. فمهما بلغنا من الخلاف فإنا لا نقبله من المبلغ له حتى نتيقّنه منه، فإذا صحت معرفة ذلك أنزلناه منزل المخالف.
ألا و إن أكمل الأداة عند المصيبات الأخذ بالصبر و الراحة إلى اليقين، فمن قتل في مجاهدة العدوّ رجوت له الفوز برضوان اللَّه.
و أفضل الأمور التسليم لأمر اللَّه و الراحة إلى اليقين و الرضا بقضائه، أين المهرب مما هو كائن! و إنما يتقلّب في كف الطالب، و إنما أهل هذه الدنيا سفر لا يحلون عقد الرحال إلا في غيرها، و إنما بلغتهم فيها بالعواري، فما أحسن الشكر للمنعم و التسليم لمن القضاء له! و من أحق بالتسليم لمن فوقه ممن لا يجد مهربا إلا إليه، و لا معوّلا إلا عليه!
[١] ما بين المعقوفتين: من تاريخ الطبري.
[٢] ما بين المعقوفتين: من تاريخ الطبري.