المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٢٢ - باب ذكر أيوب عليه الصلاة و السلام
من بطن أمي، فقام فحلق رأسه ثم قام يصلي، فأرنّ الشيطان رنة سمعها أهل السموات و أهل الأرض، ثم عرج فقال: أي رب قد اعتصم و إني لا أستطيعه إلا بتسليطك فسلطني عليه، قال: قد سلطتك على جسده و لم أسلطك على قلبه. قال: فنفخ تحت قدميه نفخة فصرخ من قرنه إلى قدمه حتى بدا حجاب بطنه، و ألقى عليه الرقاد.
قال: فقالت امرأته ذات يوم: يا أيوب قد و اللَّه نزل بي من الجهد و الفاقة، فابعث قرنا من قروني برغيف فأطعمك، فادع ربك فليشفيك، قال: ويحك كنا في النعماء سبعين عاما، فاصبري حتى نكون في الضراء سبعين عاما.
قال: فكان في ذلك البلاء سبعين، قال: فقعد الشيطان في الطريق، فأخذ تابوتا يتطيب فأتته امرأة أيوب، فقالت: يا عبد اللَّه إن ها هنا إنسانا مبتلى فهل لك أن تداويه؟
قال: إن شاء فعلت على أن يقول لي كلمة واحدة إذا برأ، يقول: أنت شفيتني، قال:
فأتته فقالت: يا أيوب إن ها هنا رجلا يزعم أنه يداويك على أن تقول له كلمة واحدة:
أنت شفيتني، قال: ويلك ذلك الشيطان، للَّه عليّ إن شفاني اللَّه أن أجلدك مائة جلدة، فبينا هم كذلك إذ جاءه/ جبرئيل فأخذ بيده فقال: قم، فقام، فقال: اركض برجلك فركض فنبعت عين، فقال: اشرب فشرب.
قال: ثم ألبسه حلة من الجنة و جاءت امرأته فقالت: يا عبد اللَّه أين المبتلى الّذي كان هاهنا لعل الذئاب ذهبت به أو الكلاب، قال: فقال: ويحك لأنا أيوب قد رد اللَّه إلي نفسي، قال: فقالت: يا عبد اللَّه لا تسخر بي، قال: ويحك أنا أيوب، فرد اللَّه إليه ماله و ولده بأعيانهم و مثلهم معهم، و أمطر عليهم جرادا من ذهب.
قال: فجعل يأخذ الجراد بيده ثم يجعله في ثوبه ... [١] فيأخذ فيجعل فيه، فأوحى اللَّه إليه: يا أيوب أما شبعت، قال أيوب: من ذا الّذي يشبع من فضلك و رحمتك.
قال: فأخذ ضغثا بيده فجلدها به. قال و كان الضغث مائة [شمراخ] [٢]، فجلدها به جلدة واحدة.
[١] مكان النقط كلمة مطموسة في الأصل.
[٢] ما بين المعقوفتين: من الهامش.