المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٨٤ - و من الأحداث في أيام الخليل عليه السلام هلاك قوم لوط
أعلم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط، فأتوه فقالوا: إنّا مضيفوك الليلة. فانطلق بهم فلما مشى ساعة التفت فقال: أ ما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ و اللَّه ما أعلم على ظهر الأرض ناسا أخبث منهم. فانطلق بهم فلما بصرت عجوز السوء امرأته بهم انطلقت و أنذرتهم [١].
و قال السدي، عن أشياخه [٢]: لما خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط أتوهم نصف النهار، فلما بلغوا نهر سدوم لقوا ابنة لوط تستقي الماء لأهلها، و كانت له ابنتان، اسم الكبرى ريثا، و الصغرى رعرثا، فقالوا لها: يا جارية هل من منزل؟
قالت: نعم، مكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم فزعت عليهم [٣] من قومها فأتت أباها فقالت يا أبتاه أدركت فتيانا على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم هي أحسن من وجوههم، لا يأخذهم قومك فيفضحوهم، و قد كان قومه نهوه أن يضيف رجلا، فجاء بهم فلم يعلم أحد إلا أهل بيت لوط، فخرجت امرأته فأخبرت قومها و قالت: إن في [بيت] [٤] لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط. فجاء قومه يهرعون إليه.
قال علماء السير: فلما أتاه قومه جعل يلطف بهم و يقول: اتقوا اللَّه و لا تخزوني في ضيفي. و يقول: هؤلاء بناتي [هن أطهر لكم مما تريدون] [٥].
فلما لم يلتفتوا إلى قوله قال: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً [٦] أي: لو أن لي أنصارا ينصرونني عليكم أو عشيرة يمنعونني منكم لحلت بينكم و بين ما جئتم. فلما اشتد الأمر عليه، قالت له الرسل: إنا رسل ربك لن يصلوا إليك، فقال: أهلكوهم الساعة.
فقال جبرئيل: إن موعدهم الصبح. فطمس جبرئيل أعينهم، فقالوا: يا لوط جئتنا بقوم سحرة كما أنت حتى تصبح. فأمر أن يسري بأهله، فخرج وقت سحر، ثم أدخل جبرئيل جناحه في أرضهم فرفعها، و كانت خمس قريات أعظمها سدوم حتى سمع أهل
[١] الخبر في التاريخ ١/ ٢٩٨.
[٢] الخبر في تاريخ الطبري ١/ ٢٩٩.
[٣] في تاريخ الطبري: «فرقت عليهم».
[٤] ما بين المعقوفتين: من الطبري.
[٥] ما بين المعقوفتين: من تاريخ الطبري ١/ ٣٠٠.
[٦] سورة: هود، الآية: ٨٠.