المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٦٨ - و من الحوادث خروج إبراهيم إلى مكة بإسماعيل و هاجر
هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم جاءنا شيخ [من صفته] [١] كذا و كذا فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنّا في جهد و شدّة، قال: فهل أوصاك بشيء؟
قالت: نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام و يقول لك: غيّر عتبة بابك. قال: ذلك أبي و قد أمرني أن أفارقك، فالحقي بأهلك، فطلقها، و تزوج منهم أخرى. فلبث عنه إبراهيم ما شاء اللَّه، ثم أتاهم فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه، فقالت خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ و سألها عن عيشهم و هيئتهم؟ فقالت: نحن بخير و سعة و أثنت على اللَّه، فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللَّهمّ بارك لهم في اللحم و الماء.
قال النبي صلّى اللَّه عليه و سلم: «و لم يكن لهم يومئذ الحبّ، و لو كان لدعا لهم فيه بالبركة».
قال: فهما لا يخلوا عليهما أحد بغير ملة إلا يوافقاه. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام و مريه أن يثبت عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل، قال: هل أتاكم من أحد؟
قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، و أثنت عليه فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنّا بخير، قال: أ فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام، و يأمرك أن تثبت عتبة بابك، فقال: ذاك أبي، و أنت العتبة، أمرني أن أمسكك.
ثم جاء بعد ذلك و إسماعيل يبري نبلا تحت دوحة قريبا من زمزم، فلما رآه قام إليه و صنعا كما يصنع الوالد بالولد و الولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل إن اللَّه قد أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك [ربك] [٢]، قال: أ و تعينني؟ قال: و أعينك، قال: فإن اللَّه أمرني أن أبني ها هنا بيتا، و أشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها. قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة و إبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه، و قام عليه يبني و إسماعيل يناوله الحجارة و هما يقولان:
رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [٣].
انفرد بإخراجه البخاري [٤].
[١] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.
[٢] ما بين المعقوفتين: من الهامش.
[٣] سورة: البقرة، الآية: ١٢٧.
[٤] صحيح البخاري ٤/ ١٧٢، ١٧٦.