المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٦٧ - و من الحوادث خروج إبراهيم إلى مكة بإسماعيل و هاجر
قال ابن عباس: قال النبي صلّى اللَّه عليه و سلم: «فلذلك سعى الناس بينهما».
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا، فقالت: صه- تريد نفسها- ثم تسمعت فسمعت أيضا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه- أو قال: بجناحه- حتى ظهر الماء، فجعلت تحوّضه و تقول بيدها هكذا، و جعلت، تغرف من الماء في سقائهما و هو يفور بعد ما تغرف.
قال ابن عباس: قال النبي صلّى اللَّه عليه و سلم: «يرحم اللَّه أم إسماعيل لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا».
قال: فشربت و أرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة فإن هاهنا بيتا للَّه يبنيه هذا الغلام و أبوه، و إن اللَّه لا يضيع أهله، و كان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية، و تأتيه السيول فيأخذ عن يمينه و عن شماله، فكانت كذلك حتى مرّت بهم رفقة من جرهم مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرا عائفا، فقالوا ان هذا الطائر ليدور على ماء لعهدنا بهذا الوادي و ما فيه ماء.
فأرسلوا جريّا أو جريين فإذا هم بالماء، فقال: أ تأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت:
نعم، و لكن لا حقّ لكم في الماء. قالوا: نعم.
قال ابن عباس: قال النبي صلّى اللَّه عليه و سلم: فألفى ذلك أم إسماعيل و هي تحبّ الإنس، فنزلوا و أرسلوا إلى أهاليهم [فجاءوا] [١] فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، و شبّ الغلام و تعلّم العربية منهم و أنسهم و أعجبهم حين شبّ، فلما أدرك زوّجوه امرأة منهم.
و ماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم و هيئتهم، فقالت: نحن بشر، [نحن] [٢] في ضيق و شدة، فشكت إليه. فقال: إذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام و قولي له يغير عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا، فقال:
[١] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.
[٢] ما بين المعقوفتين: من المرآة ١/ ٢٨٣.