بلاغة الامام علي بن الحسين (ع) - حائری، جعفر عباس - الصفحة ٩٦
. وأطنب [١] في تقريظ معاوية بن يزيد عليهما اللعنة . فصاح به عليّ بن الحسين عليهماالسلام : «ويلك أيّها الخاطب ! أشتريت رضا المخلوق بسخط الخالق؟ فتبوّأ مقعدك من النّار» ، ثُمَّ قال : «يا يزيد ، ائذن لي حتّى أصعد هذه الأعواد [٢] ، فأتكلّم بكلمات فيهنّ للّه رضا ، ولهؤلاء الجلساء أجرٌ وثواب» . فأبى يزيد . فقال النّاس : يا أمير المؤمنين ، ائذن له ليصعد ، فلعلّنا نسمع منه شيئا . فقال لهم : إن صعد المنبر هذا لم ينزلْ إلاّ بفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان . فقالوا : وما قَدْرُ ما يُحسن هذا؟ فقال له : إنّه من أهل بيت قد زُقّوا [٣] العلم زقّا ، ولم يزالوا به حتّى أذن له بالصعود . فصعد المنبر ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثُمَّ خطب خطبة أبكى منها العيون ، وأوجل منها القلوب ، فقال فيها : أيها الناس ، اُعطينا ستّا ، وفضّلنا بسبع ، اُعطينا العلم والحلم والسماحة ، والفصاحة والشجاعة ، والمحبّة في قلوب المؤمنين [٤] ، وفُضّلنا بأنَّ منّا النبي المختار محمّد صلى الله عليه و آله ، ومنّا الصّديق ، ومنّا الطيّار ، ومنّا أسد اللّه وأسد رسوله ، ومنّا
[١] أي أطال .[٢] عبّر الإمام عليه السلام بالأعواد ولم يقل بالمنبر ؛ لأنّ المنبر محل شريف ، و مكان رفيع ، لا يجلس عليه إلاّ أولياء اللّه ، وعباده الصالحون ، لا أمثال يزيد ومعاوية ـ لعنهما اللّه ـ ، ومرتزقتهما المنبوذين ، ومن لفّ لفّهما .[٣] «زقّ الطير» : وضع الطعام في فمه . وهذا مثل قوله : «غرّ الطائر فرخه ، يغرّه غرارا» ، أي زقّه . وفي حديث معاوية قال : «كان النبيّ صلى الله عليه و آلهيغرّ عليا العلم» ، أي يُلقمه إيّاه . وفي حديث علي عليه السلام : «مَن يُطع اللّه يَغُرّه ، كما يغرّ الغراب بُجَّهُ» : أي فرخه . وفي حديث ابن عمر ، وذكر الحسن والحسين عليه السلام فقال : «إنّما كانا يُغرّان العلم غَرّا» ، و«الغرّ» : اسم ما زقّته به ، وجمعه غرور . (لسان العرب ، ص ١٨ ، ج ٥ ، ط بيروت) .[٤] اشارة إلى هذه الآية : «إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ عَمِلُواْ الصَّــلِحَـتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَـنُ وُدًّا » (سورة مريم ، الآية ٩٦) ، إنّها نزلت في الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام . قال السجستاني في غريب القرآن ، ص ٢٥٥ ، ط مصر : قال أبو عمرو : قال ابن عباس: نزلت في عليّ بن أبي طالب عليه السلام ـ لمّا سُئل عن هذه الآية ـ وقال: ما من مسلم إلاّ ولعليّ في قلبه محبة .