بلاغة الامام علي بن الحسين (ع) - حائری، جعفر عباس - الصفحة ١١٤
. في كتابه : « وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ » [١] . أغفلت ذكر من مضى من أسنانك وأقرانك ، وبقيت بعدهم كَقَرنٍ أعْضَبٍ . اُنظر هل ابتلوا بمثل ما ابتليت ، أم هل وقعوا في مثل ما وقعت فيه ، أم هل تراهم ذكرت خيرا أهملوه ، وعلمت شيئا جهلوه ، بل حظّيت بما حلّ من حالك في صدور العامة ، وكلّفهم بك ، إذ صاروا يقتدون برأيك ، ويعملون بأمرك ، إن أحللت أحلّوا ، وإن حَرّمت حَرّموا ، وليس ذلك عندك ، ولكن أظهرهم عليك رغبتهم فيما لديك ، ذهاب علمائهم ، وغلبة الجهل عليك وعليهم ، وحبّ الرئاسة ، وطلب الدنيا منك ومنهم ، أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغِرّة ، وما النّاس فيه من البلاء والفتنة ، قد ابتليتهم وفتنتهم بالشغل عن مكاسبهم ممّا رأوا ، فتاقت نفوسهم إلى أن يبلغوا من العلم ما بلغت ، أو يدركوا به مثل الّذي أدركت ، فوقعوا منك في بحر لا يُدرك عُمقه ، وفي بلاءٍ لا يقدر قَدرَهُ ، فاللّه لنا ولك ، وهو المُستعان . أمّا بعد ، فاعرض عن كلّما فيه أنت ، حتّى تلحق بالصالحين ، الّذين دُفنوا في أسمالهم [٢] ، لاصقة بطونهم بظهورهم ، ليس بينهم وبين اللّه حجاب ، ولا تفتنهم الدنيا ، ولا يفتنون بها ، رغبوا فطلبوا ، فما لبثوا أن لحقوا ، فإذا كانت الدنيا تبلغ من مِثلك هذا المبلغ مع كبر سنّك،ورسوخ عملك [٣] ،وحضور أجلك ،فكيف يسلم الحدث في سنّه؟! الجاهل في علمه،المأفون في رأيه، المدخول في عقله، إنا للّه وإنا إليه راجعون، على مَن المعوَّل به؟وعند مَن المُستَعْتَبُ؟نشكو إلى اللّه بثّنا [٤] وما نرى فيك، ونحتسب عند اللّه مصيبتنا بك! فانظر كيف شكرك لمن غذّاك بنعمه صغيرا وكبيرا، وكيف أعظامك لمن جعلك بدينه في الناس جميلاً ؟ وكيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته في الناس ستيرا؟ وكيف قربك أو بعدك ممّن أمَرَكَ أن تكون منه قريبا ذليلاً ؟
[١] الذاريات : ٥٥ .[٢] «السمل» : الثوب الخلق البالي ، جمعه أسمال .[٣] في نسخةٍ : «عقلك» .[٤] «البثّ» : أشد الحزن .