بلاغة الامام علي بن الحسين (ع) - حائری، جعفر عباس - الصفحة ٧٤
.عن أبي الطّفيل عامر بن واثلة قال : أيّها المجتهد في آثار من مضى من قبلك من الأمم السالفة ، توقّف وتفهّم ، وانظر إليه! أيّ عزّ ملك ، أو نعيم أنس ، أو بشاشة أَلف ، إلاّ نغّصت أهله قرّة أعينهم! وفرّقتهم أيدي المنون ، وألحقتهم بتجافيف التراب! فأضحَوا في فجوات قبورهم يتقلّبون ، وفي بطون الهلكات عظاما ورفاتا وصلصالاً في الأرض هامدون . وآليت لا تبقى اللّيالي بشاشةولا جدة إلاّ سريعا خلوقها وفي مطامع أهل البرزخ ، وخمود تلك الرقدة ، وطول تلك الإقامة ، طفئت مصابيح النظر ، واضمحلّت غوامض الفكر ، وذمّ الغفول أهل العقول . وكم بقيت متلذّذا في طوامس [١] هوامد [٢] تلك الغرفات ، فنوهت بأسماء الملوك ، وهتفت بالجبّارين ، ودعوت الأطبّاء والحكماء ، وناديت معادن الرسالة والأنبياء ، اتملل تَملل السليم ، وأبكي بكاء الحزين ، وأُنادي ولات حين مناص . سوى أنهم كانوا فبانوا وإنَّنيعلى جُددٍ قصد سريعا لحوقها وتذكّرت مراتب الفهم ، وغضاضة فطن العقول ، بتذكّر قلب جريح ، فصدعت الدنيا عما التذّ بنواظر فكرها من سوء الغفلة ، ومن عجب كيف يسكن إليها مَن يعرفها ، وقد استذهلت عقله بسكونها ، وتزيّن المعاذير ، وخسأت أبصارهم عن عيب التدبير ، وكلّما تراءت الآيات ونشرها من طيّ الدهر عن القرون الخالية الماضية ، وحالهم وما بهم ، وكيف كانوا ، وما الدنيا وغرور الأيّام . وهل هي إلاّ لوعة من ورائهاجوى قاتل أو حتف نفس يسوقها [٣] وقد أغرق في ذمّ الدنيا الأدلاّءُ على طرق النّجاة من كلّ عالم ، فبكت العيون
[١] «طمس الشّيء» : درس وانمحى .[٢] «الهوامد» ـ جمع الهامد ـ : أرض هامدة ، يابسة مجدبة .[٣] «الجوى» : الحرقة وشدة الحزن ، تطاول المرض .