بلاغة الامام علي بن الحسين (ع) - حائری، جعفر عباس - الصفحة ٣٦
. ونزول ما لابدّ من لقائه ، وتقديم الحذر قبل الحين ، فإنّ اللّه عز و جل يقول : « حَتَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّى أَعْمَلُ صَــلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ » [١] فلينزلنّ أحدكم اليوم نفسه في هذه الدنيا كمنزلة المكرور إلى الدنيا ، النّادم على ما فرّط فيها من العمل الصالح ليوم فاقته . واعلموا عباد اللّه ، أ نّه من خاف البيات [٢] تجافى عن الوساد ، وامتنع عن الرُّقاد ، وأمسك عن بعض الطعام والشراب من خوف سلطان أهل الدنيا ، فكيف ويحك يابن آدم من خوف بيات سلطان ربّ العزة ؟! وأخذه الأليم ، وبياته لأهل المعاصي والذنوب ، مع طوارق المنايا بالليل والنهار ؟! فذلك البيات الّذي ليس منه [٣] منجى ، ولا من دونه ملتجأ ، ولا منه مهرب ، فخافوا اللّه أيّها المؤمنون من البيات خوف أهل اليقين ، وأهل التقوى ، فإنّ اللّه يقول : « ذَ لِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَ خَافَ وَعِيدِ » . [٤] فاحذروا زهرة الحياة الدنيا وغرورها ، وسرورها وشرورها ، وتذكّروا ضرر عاقبة الميل إليها ، فإنّ زينتها فتنة ، وحبّها خطيئة ، واعلم ويحك يابن آدم! إنّ قسوة القلوب البِطْنة ، وكظة الملاة [٥] ، وسَكرة الشبع ، وغرّة المُلك ممّا يُثبّط [٦] ويبطئ عن العمل ، ويُنسي الذكر ، ويُلهي عن اقتراب الأجل ، حتّى كأنّ المُبتلى بحبّ الدنيا به خَبَلٌ من سُكر الشراب ، وإنّ العاقل عن اللّه ، الخائف منه ، العامل له ، لَيُمرِن نفسه ، وَيعوّدها الجوع ، حتّى ما تشتاق إلى الشبع ، وكذلك تَضمُرُ الخيلَ [٧]
[١] المؤمنون : ٩٩ و ١٠٠ .[٢] «البيات» : الهجوم على الأعداء ليلاً .[٣] في نسخةٍ «له» بدل «منه» .[٤] إبراهيم : ١٤ .[٥] في نسخةٍ «فطرة الميلة» بدل «كظة الملاة» .[٦] «ثبّط»: بمعنى عوّقه .[٧] «تضمير الفرس» : إن تعلفه حتّى يسمن ، ثمّ ترده عن القوت ، وذلك في أربعين يوما .