بلاغة الامام علي بن الحسين (ع) - حائری، جعفر عباس - الصفحة ٧٥
.عن أبي الطّفيل عامر بن واثلة قال : بشجن القلوب فيها دما ، ثُمَّ درست تلك المعالم ، فتنكّرت الآثار ، وجعلت في برهة من محن الدنيا ، وتفرّقت ورثة الحكمة، وبقيتُ فردا كقرن الأعضب [١] وحيدا ، أقول فلا أجد سميعا ، وأتوجّع فلا أجد مشتكى . وإن أبكهم اجرض [٢] وكيف تجلّدي وفي القلب منّي لوعة لا أطيقها وحتّى متى أذكر حلاوة مذاق الدنيا ، وعذوبة مشارب أيّامها ، وأقتفي آثار المريدين ، وأتنسّم أرواح الماضين [٣] مع سبقهم إلى الغلّ والفساد ، وتخلّفي عنهم في فضالة طُرق الدنيا منقطعا من الأخلاّء ، فزادني جليل الخطب لفقدهم جوى ، وخانني الصبر حتّى كأنّني أوّل ممتحن أتذكّر معارف الدنيا وفراق الأحبّة . فلو رجعت تلك اللّيالي كعهدهارأت أهلها في صورة لا تروقها فمَن أخصّ بمعاتبتي ، ومَن أرشد بندبتي ، ومَن أبكي ، ومَن أدع ؟ أشجو بهلكة الأموات ! أم بسوء خلف الأحياء ! وكلّ يبعث حزني ، ويستأثر بعبراتي ، ومَن يسعدني فأبكي ، وقد سلبت القلوب لبّها ، ورقّ الدمع ، وحقّ للداء أن يذوب على طول مجانبة الأطباء ، وكيف بهم وقد خالفوا الآمرين ؟ وسبقهم زمان الهادين ، ووكّلوا إلى أنفسهم ، يتنسّكون في الضلالات في دياجير الظلمات . حيارى وليل القوم داجٍ نجومهاطوامس لا تجري بطيء خفوقها [٤]
[١] «الأعضب» : الظبي الذي انكسر أحد قرنيه .[٢] «أجرض» : أهلك .[٣] في نسخة : الصّالحين .[٤] الصحيفة السجادية ، دعاء ٢١٩ ؛ كشف الغمّة ، ج٢ ، ص٣٠٦ ؛ عنه بحار الأنوار ، ج٧٨ ، ص١٥٤ . قال الإربلي رحمه الله : هذا الفصل من كلامه ، قد نظمه بعض الشعراء ، وأجاد في قوله : قد كنت أبكي ما قد فات من زمنيوأهل وُدّي جميعٌ غير أشتاتِ واليوم إذ فرقت بيني وبينهمنوى بكيت على أهل المروّات وما حياة امرئً أضحت مدامعهمقسومةٍ بين أحياءٍ وأمواتٍ