بلاغة الامام علي بن الحسين (ع) - حائری، جعفر عباس - الصفحة ٦٢
. فقال له عليّ بن الحسين عليه السلام : احفظ عليك لسانك ، تملك به إخوانك . قال الزُّهري : يا بن رسول اللّه ، إني أحسن إليهم بما يَبْدُرُ من كلامي . قال عليّ بن الحسين عليه السلام : هيهات هيهات ، إيّاك أن تعجب من نفسك بذلك ، وإيّاك أن تتكلّم بما يسبق إلى القلوب إنكاره ، وإن كان عندك اعتذاره ، فليس كلّ من تسمعه شرّا يمكنك أن توّسعه عذرا . ثُمَّ قال : يا زُهْرِيّ ، مَن لم يكن عقله من أكمل ما فيه ، كان هلاكه من أَيسر ما فيه . ثُمَّ قال : يا زهري ، أما عليك أن تجعل المسلمين منك بمنزلة أهل بيتك ، فتجعل كبيرهم بمنزلة والدك ، وتجعل صغيرهم بمنزلة ولدك ، وتجعل قربك منهم بمنزلة أخيك ، فأيّ هؤلاء أن تظلم ، وأيّ هؤلاء تحبّ أن تدعو عليه ، وأيّ هؤلاء تحبّ أن تهتك ستره ، وإن عرض لك إبليس ـ لعنه اللّه ـ بأنّ لك فضلاً على أحد من أهل القبلة ، فانظر إن كان أكبر منك فقل : «قد سبقني بالإيمان والعمل الصالح ، فهو خير منّي» ، وإن كان أصغر منك فقل : «قد سبقته بالمعاصي والذنوب فهو خير منّي» ، وإن كان تِرْبك [١] فقل : «إنا على يقين من ذنبي ، وفي شكّ من أمره ، فما لي أدع يقيني لشكّي» ، وإن رأيت المسلمين يعظّمونك ويوقّرونك ويبجّلونك فقل : «هذا فضل أخذوا به ، وإن رأيت منهم جفاءً وانقباضا فقل : «هذا الذنب أحدثته» ، فإنّك إذا فعلت ذلك ، سهّل اللّه عليك عيشك ، وكثّر أصدقاءك ، وقلَّ أعداءك وفرحت بما يكون من برّهم ، ولم تأسف على ما يكون من جفائهم . واعلم إنّ أكرم الناس على الناس مَن كان خيره عليهم فايضا ، وكان عنهم مستغنيا متعفّفا ، وأكرم الناس من بعده عليهم من كان مستعففا ، وإن كان إليهم محتاجا ، فإنّما أهل الدنيا يتعقّبون الأموال ، فمن لم يزدحمهم فيما يتعقّبونه ، كرُم عليهم ، ومن لم يزاحمهم فيها ، ومكّنهم من بعضها ، كان أعزّ وأكرم . [٢]
[١] «الترب» : جمع أتراب ، مَن وُلد معك في يوم واحد .[٢] الاحتجاج ، ج٢ ، ص٥١ ؛ تفسير الإمام العسكري ، ص١٢ .