بلاغة الامام علي بن الحسين (ع) - حائری، جعفر عباس - الصفحة ١١٠
.عن أبي حمزة الثُّمالي قال : وحوادث البدع ، وسنن الجور ، وبوائق الزمان ، وهيبة السلطان ، ووسوسة الشيطان ، ليذر القلوب [١] عن تنبيهها ، وتذهلها عن موجود الهُدى ، ومعرفة أهل الحق ، إلاّ القليل ممّن عصم اللّه ـ جلّ وعزّ ـ ، وليس يعرف تصرّف أيّامها ، وتقلّب حالاتها ، وعاقبة ضرر فتنتها ، إلاّ من عصمه اللّه ، ونهج سبيل الرشد ، وسلك سبيل [٢] القصد ، ثُمَّ استعان على ذلك بالزهد ، فكرّر الفكر ، واتّعظ بالعبر وازدجر ، فزهد في عاجل بهجة الدنيا ، وتجافى عن لذّاتها ، ورغب في نعيم دار الآخرة ، وسعى لها سعيها ، وراقب الموت ، وَشَنِأَ [٣] الحياة مع القوم الظّالمين . فعند ذلك نظر إلى ما في الدنيا بعين نيّرة [٤] ، حديدة النظرة ، وَأبْصَر حوادث الفتن ، وضلال البدع ، وجور ملوك الظلمة ، فقد لعمري استدبرتم من الأُمور الماضية في الأيّام الخالية من الفتن المتراكمة ، والانهماك فيها ، ما تستدلون به على تجنّب الغُواة وأهل البدع والبغي ، والفساد في الأرض بغير الحقّ ، فاستعينوا باللّه ، وارجعوا إلى طاعته ، وطاعة من هو أولى بالطاعة ، ممّن اتّبع فأُطيع ، فالحذر الحذر من قبل النّدامة والحسرة ، والقُدوم على اللّه ، والوقوف بين يديه ، وتاللّه ما صدر قومٌ قطّ عن معصية اللّه إلاّ إلى عذابه ، وما آثر قوم قطّ الدنيا على الآخرة إلاّ ساء منقلبهم ، وساء مصيرهم ، وما العزّ [٥] باللّه والعمل بطاعته إلاّ ألْفانِ مُؤْتَلِفان ، فمن عرف اللّه خافه ، فحثّه الخوف على العمل بطاعة اللّه ، وإنّ أرباب العلم و أتباعهم الّذين عرفوا اللّه فعملوا له ، ورغبوا إليه ، وقد
[١] في بعض المصادر «لتثبط القلوب» ، وفي نسخة «لتثبّط التثبيط» : التعويق والشغل عن المراد .[٢] في بعض المصادر : «طريق» .[٣] شنأ الحياة : أي أبغضها .[٤] في بعض النسخ «بعين قرة» ، يقال «قرت قرة» بضم القاف وفتحها ، و«قرورة عينه» بردت سرورا أو جف دمعها ، ورأت ما كانت متشوقة له ، فحص قرير العين ، وعينه قريرة . (القاموس وتاج العروس)[٥] في بعض المصادر : «العلم بدل العزّ» .