بلاغة الامام علي بن الحسين (ع) - حائری، جعفر عباس - الصفحة ٧٦
(ومن كلام له عليه السلام)
(وكان لمّا يحاسب نفسه ، ويناجي ربّه)
.ويقول : يا نفس ، حتّامَ إلى الحياة سكونكِ ، وإلى الدنيا وعمارتها رُكونكِ ؟ أما اعتبرتِ بمن مضى من أسلافكِ ! ومَن وارَتْه الأرض من أُلاّفكِ [١] ، ومن فُجعتِ به من أخوانك ، ونقل إلى الثرى [٢] من أقرانكِ (ونُقلتِ إلى دار البلى من أقرانك) فهم في بطون الأرض بعد ظهورهامحاسنهم فيها بَوالٍ دواثرُ خلت دورهم منهم وأقْوَتْ عِراصُهم [٣] وساقتهم نحو المنايا المقادرُ وَخَلّوا عن الدنيا وما جمعوا لهاوضمّتهم نحو [٤] التراب الحفائرُ كم خرمت [٥] أيدي المنون من قرونٍ بعد قرون ؟ وكم غيّرت الأرض ببلائها ، وغيَّبت في تُرابها [٦] ، ممّن عاشرت من صنوف الناس ، وشَيَّعتهم إلى الأرماس ، ثُمَّ رجعت عنهم إلى عمل أهل الأفلاس . وأنت على الدنيا مكّبٌ مُنافِسٌلِخُطّابها فيها حريص مُكاثرُ على خطرٍ تُمسي وتُصبح لاهياأتدري بماذا لو عقلتِ تُخاطِرُ وإنّ امرأً يسعى لدنياهُ جاهداوَيَذهَلُ عن اُخراه لا شكّ خاسرُ حتّامَ على الدنيا إقبالُكِ ، وبشهواتها اشتغالُك ، وقد وَخَطَكَ القتيرُ [٧] ، ووافاك النذير ، وأنت عما يُراد بك ساهٍ ، وبلذّة يومك لاه ، وقد رأيت انقلاب الشهوات ،
[١] «أُلاّف» ـ جمع اُلف ، مثل كافر وكفّار ـ : الصديق ، وفي نسخة : «الألاف» ـ جمع الإلف بالكسر ـ بمعنى الأليف . قال الشاعر : إذا مضَ الألاف عنك لظعنه والمؤنسون فأنت أوّل ذاهبٍ(إرشاد القلوب ص ١٦ ج ١)[٢] في الصحيفة «دار البلى» بدل «الثرى» .[٣] «أقوت الدّار» : أي خلت .[٤] في الصحيفة «تحت» بدل «نحو» .[٥] في نسخة : «كم أخرمَتْ» وفي نسخة أُخرى : «وكم تخرّمت» .[٦] في البحار : «في ثرائها» .[٧] «وخط الشّيب» : خالط سواد شعره . «القتير» : الشيب ، أو أوّل ما يظهر منه .