بلاغة الامام علي بن الحسين (ع) - حائری، جعفر عباس - الصفحة ٧٣
.عن أبي الطّفيل عامر بن واثلة قال : الخالية ، وحال دون ذلك النسيم هبوات [١] وحسرات ، وكانت حركات فسكنت ، وذهب كلّ عالم بما فيه . فما عيشة إلاّ تزيد مرارةولا ضيقة إلاّ ويزداد ضيقها فكيف يرقأ دمع لبيب؟! أو يهدأُ طرف مُتوسّم على سوء أحكام الدنيا ، وما تفجأ به أهلها من تصرّف الحالات ، وسكون الحركات! وكيف يسكن إليها من يعرفها وهي تفجّع الآباء بالأبناء؟! وتُلهي الأبناء عن الآباء! تعدمهم أشجان قلوبهم ، وتسلبهم قرة عيونهم . وترمي قساوات القلوب بأسهموجمر فراقٍ لا يَبوخُ حريقُها [٢] وما عسيت أن أصف محن الدنيا ، وأبلغ عن كشف الغطاء ، عما وُكّل به دور الفلك من علوم الغيوب ، ولست أذكر منها إلاّ قليلاً منه أفنته ، أو مغيب ضريح تجافت عنه ، فاعتبره أيّها السامع بهلكات الأُمم ، وزوال النّعم ، وفظاعة ما تسمع وتُروى من سوء آثارها في الديار الخالية ، والرسوم الفانية ، والربوع الصموت . [٣] وكم عالمٍ أفنت فلم تبك شجوةولابد أن تفنى سريعا لحوقها فانظر بعين قلبك إلى مصارع أهل البذخ [٤] ، وتأمّل معاقل الملوك ، ومصانع الجبّارين ، وكيف عركتهم الدنيا بكلاكل الفناء ، وجاهرتهم بالمنكرات ، وسحبت عليهم أذيال البوار ، وطحنتهم طحن الرحا للحبّ ، واستودعتهم هوج الرياح [٥] ، تسحب عليهم أذيالها فوق مصارعهم في فلوات الأرض . فتلك مغانيهم وهذي قبورهمتوارثها أعصارها وحريقها [٦]
[١] «الهبوات» جمع الهبوة ، الغبار .[٢] «باخ» : سكن وفر ، وباخ النار : خمدت .[٣] «الربوع» ـ جمع الربع ـ : الرجل ، النعش ، المنزل .[٤] «البذخ» : الكبر .[٥] «الهوجاء» : الريح الّتي لا تستوي في هبوبها وتقلع البيوت .[٦] في نسخة : «قبورها» بدل «حريقها» .