بلاغة الامام علي بن الحسين (ع) - حائری، جعفر عباس - الصفحة ٣٤
. تقلّبني أيدي أحبّتي ، وارحمني مطروحا على المغتسل ، يغسّلني صالح جيرتي ، وارحمني محمولاً قد تناول الأقرباء أطراف جنازتي ، وارحم في ذلك البيت المظلم وحشتي وغربتي ووحدتي . قال طاووس [١] : فبكيت حتّى علا نحيبي ، فالتفت إليَّ وقال : ما يبكيك يا يمانيّ ؟ أَ و ليس هذا مقام المذنبين؟ فقلت : حبيبي ، حقيقٌ على اللّه أن لا يُردّك وجدّك محمّد صلى الله عليه و آله . قال: فبينا نحن كذلك ، إذ أقبل نفر من أصحابه ، فالتفت إليهم فقال: معاشر أصحابي ، أوصيكم بالآخرة ، ولستُ أوصيكم بالدنيا ، فإنّكم بها مستوصون ، وعليها حريصون، وبها مستمسكون ، معاشر أصحابي! إنّ الدنيا دار ممرّ ، والآخرة دار مقرّ ، فخذوا من ممرّكم لمقرّكم ، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا يخفى عليه أسراركم ، واخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم ، أما رأيتم وسمعتم ما استدرج به من كان قبلكم من الاُمم السالفة والقرون الماضية ، ألم تروا كيف فضح مستورهم ، وأمطر مواطر الهوان عليهم بتبديل سرورهم بعد خفض عيشهم ، ولين رفاهيّتهم ، صاروا حصائد النقم ، وَمَدارج المَثُلات [٢] ، أقول قولي هذا ، وأستغفر اللّه لي ولكم . [٣]
[١] طاووس بن كيسان ، أبو عبد الرحمن الهمداني اليماني ، أحد أعلام التابعين ، سمع أبا هريرة وابن عبّاس ، وروى عنه مجاهد ، وعمرو بن دينار ، توفي سنة ١٠٦ق . وعدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام السجاد عليه السلام . وفي قاموس الرجال ، التستري ، ج٥ ، ص ١٥٦ : روى الحلية مسندا عنه ، عن بريدة ، عن النبيّ صلى الله عليه و آله قال : مَن كنتُ مولاه ، فعليٌّ مولاه . قال ابن قتيبة والطبري : طاووس شيعي ، وقد عرفت في المقدمة ، أنّه أعم من الإمامي ، وإنّما المساوق للإمامي عندهم الرافضي والشيعي الغالي .[٢] «المثلة» ـ بفتح وضمّ ـ : العقوبة والتنكيل ، جمع مثلات .[٣] الأمالي ، الصدوق ، ص٢٨٨ ؛ روضة الواعظين ، ص١٩٨ ؛ المزار ، الشهيد ، ص٢٦٧ ؛ مستدرك الوسائل ، ج٣ ، ص٤٤٢ ؛ رواه عن الأمالي في بحار الأنوار ، ج٧٧٨ ، ص١٤٦ .