بلاغة الامام علي بن الحسين (ع) - حائری، جعفر عباس - الصفحة ٢٠
. والحمد للّه الّذي دلّنا على التوبة الّتي لم نُفِدْها إلاّ من فضله فلو لم نَعْتَدِدْ من فضله إلاّ بها ، لقد حسن بلاؤه عندنا ، وجلّ إحسانه إلينا ، وجسم فضله علينا ، فما هكذا كانت سنّته في التّوبة لمن كان قبلنا [١] ، لقد وضع عنّا ما لا طاقة لنا به ، ولم يكلّفنا إلاّ وسعا ، ولم يجشّمنا إلاّ يسرا ، ولم يدع لأحد منّا حجّةً ولا عُذرا ، فالهالك منّا مَن هلك عليه ، والسعيد منّا من رغب إليه . والحمد للّه بكلّ ما حمده به أدنى ملائكته إليه ، وأكرم خليقته عليه ، وأرضى حامديه لديه ، حمدا يفضل سائر الحمد ، كفضل ربّنا على جميع خلقه ، ثُمَّ له الحمد مكان كلّ نعمة له علينا ، وعلى جميع عباده الماضين والباقين ، عدد ما أحاط به علمه من جميع الأشياء ، ومكان كلّ واحدة منها ، عددها أضعافا مضاعفة أبدا سرمدا إلى يوم القيامة ، حمدا لا منتهى لحدّه ولا حساب لعدده ، ولا مَبْلَغَ لغايته ، ولا انقطاع لأمده ، حمدا يكون وُصلة إلى طاعته وعفوه ، وسببا إلى رضوانه ، وذريعة إلى مغفرته ، وطريقا إلى جنّته ، وخفيرا [٢] من نقمته ، وأمنا من غضبه ، وظهيرا على طاعته ، وحاجزا عن معصيته ، وعونا على تأدية حقّه ووظائفه ، حمدا نسعد به في السعداء من أوليائه ، ونصير به في نظم الشهداء بسيوف أعدائه ، إنّه وليّ حميد . و [٣] الحمد للّه الّذي مَنَّ علينا بمحمّد نبيّه صلى الله عليه و آله ، دون الاُمم الماضية ، والقرون السالفة ، بقدرته الّتي لا تعجز عن شيء وإن عظم ، ولا يفوتها شيء وإن لطف ، فختم بنا على جميع من ذرأ [٤] ، وجعلنا شهداء على مَن جحد ، وكثّرنا على مَن قلَّ .
[١] المقصود : بنو إسرائيل ، الّذين كانت سنة اللّه تعالى لهم في التوبة قتل النفس لا الندم فقط ، كما جاء في القرآن الكريم .[٢] «الخفير» : هو المجير والمحامي من باب ضرب .[٣] من هنا شرع دعاء آخر ، جاء في المصدر بعنوان : وكان من دعائه عليه السلام بعد هذا التحميد في الصلاة على رسول اللّه صلى الله عليه و آله .[٤] «ذرأ» : خَلَقَ .