الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٩٣ - دور الحاكم في رفع التزاحم بين الأحكام الأوّليّة
و شراء التنباك أمر محلّل في الشرع، و الحكمان من الأحكام الأوّلية و لم يكن أيّ تزاحم بينهما إلّا في فترة خاصة عند ما أعطى الحاكم العرفيّ امتيازاً للشّركة الأجنبية، فصار بيعه و شراؤه بيدها، و لمّا أحسّ الحاكم الشرعيّ آنذاك- السيد الميرزا الشّيرازي (قدس سره)- انّ استعماله يوجب انشباب أظفار الكفّار على هيكل المجتمع الإسلامي، حكم (قدس سره) بأنّ استعماله بجميع أنواع الاستعمال في هذه الفترة كالمحاربة مع وليّ العصر (عليه السلام) ( [١]) فلم يكن حكمه نابعاً إلّا من تقديم الأهمّ على المهمّ أو من نظائره، و لم يكن الهدف من الحكم إلّا بيان أنّ المورد من صغريات حفظ مصالح الإسلام و استقلال البلاد، و لا يحصل إلّا بترك استعمال التّنباك بيعاً و شراءً و تدخيناً و غيرها، فاضطرّت الشّركة حينئذ إلى فسخها.
الثاني: إنّ حفظ النفوس من الأُمور الواجبة، و تسلّط النّاس على أموالهم و حرمة التصرّف في أموالهم أمر مسلّم في الإسلام أيضاً، إلّا أنّ حفظ النفوس ربّما يتوقّف على فتح الشوارع في البلاد داخلها و خارجها و لا يحصل إلّا بالتصرّف في الأراضي و الأملاك، فلو استعدّ مالكها بطيب نفس منه فهو و إلّا فللحاكم في المقام دور و هو ملاحظة الأهمّ بتقديمه على المهمّ فيقدّم الحكم الأوّل و هو حفظ النفوس على الثاني، و يحكم بجواز التصرّف بلا إذن، غاية الأمر يضمن لصاحب الأراضي قيمتها السوقية.
الثالث: إنّ إشاعة القسط و العدل ممّا ندب إليه الإسلام و جعله غاية لبعث الرّسل، قال سبحانه: (لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَ الْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (الحديد- ٢٥).
[١] عام ١٨٩١ م و حكمه كالتالي: بسم اللّه الرّحمن الرحيم: «اليوم استعمال التنباك و التتن، بأي نحو كان، بمثابة محاربة إمام الزمان (عجّ)».