الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٧٨ - في التخطئة و التصويب
الرابع: إذا كان في المسألة نصّ قطعي السّند و الدّلالة فلا موضوع للاجتهاد و بالتالي لا موضوع للتصويب و التّخطئة. قال ابن القيّم ناقلًا عن الشافعي:
«أجمع النّاس على أنّ من استبانت له سنّة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس و تواتر عنه (أي الشافعيّ) أنّه قال: و إذا صحّ الحديث فاضربوا بقولي الحائط، و صحّ عنه أنه قال: إذا رويت عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حديثاً و لم آخذ به، فاعلموا أنّ عقلي قد ذهب، و صحّ عنه أنّه قال: لا قول لأحد مع سنّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)» ( [١]).
إذا تبيّن موضع النّقاش و علم أنّ النزاع في التخطئة و التصويب في أمر آخر و هو هل أنّ للّه في كلّ حادثة حكماً معيّناً قبل اجتهاد المجتهد أو لا؟
نقول: مذهب أصحابنا و جماعة من أهل السنّة و الأباضيّين ( [٢]) إلى أنّ للّه سبحانه في كلّ واقعة حكماً معيناً يتّجه إليه المجتهد فيصيبه تارة و يخطئه أُخرى فالحقّ واحد قد يدرك و قد لا، و يبدو أنّ النزاع في التصويب و التخطئة نشأ من تجويز العمل بالقياس و بأخبار الآحاد، قال الطوسيّ (رضي الله عنه):
«و اعلم أنّ الأصل في هذه المسألة القول بالقياس و العمل بأخبار الآحاد، لأنّ ما طريقه التواتر و ظواهر القرآن فلا خلاف بين أهل العلم أنّ الحقّ فيما هو معلوم من ذلك، و إنّما اختلف القائلون بهذين الأصلين فيما ذكرناه» ( [٣]).
إذا عرفت ما ذكرناه، فاعلم أنّه يظهر من الشيخ أنّ أكثر المتكلّمين و الفقهاء
[١] أعلام الموقعين لابن القيم الجوزية: ٢/ ٢٨٢.
[٢] الاباضيّة: عبد اللّه بن إباض المقاعسيّ المريّ التميمي من بني مرّة بن عبيد بن مقاعس، رأس الاباضيّة، و إليه نسبتهم و قد عاصر معاوية و عاش إلى أواخر أيّام عبد الملك بن مروان (على ما عليه الأباضيّة)، توفّي عام ٨٦. (بحوث في الملل و النحل- للشيخ الأُستاذ: ٥/ ٢١٨).
[٣] العدّة: ٢/ ١١٤.