الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٥ - الثاني في أحكام المتجزّي
نعم، ربّما يكونُ رأي المتجزّي أقرب إلى الواقع من المطلق، كما إذا بذل جهده في باب أو أبواب مترابطة سنين، و برز و برع و ظهرت مقدرته فيه أو فيها، و إذا كانت الفقاهة أمراً قابلًا للتفصيل فهذا المتجزّي أكثر فقاهة من المطلق الّذي صرف عمره في جميع الأبواب، و لم يتوفّق للدّقة و الإمعان في كلّ باب بحسبه.
و قد مضى أنّ مبادئ الاستنباط في العبادات غيرها في المعاملات، و أنّ كلًا يحتاج إلى شيء لا يحتاج إليه الآخر، بل يحتاج إلى أمر آخر، فلا مانع أن يكون رأي المتجزّي الملمّ في العبادات مثلًا أقرب إلى الواقع من المطلق الملمّ في جميع أبواب الفقه إلّا أنّه لم تظهر الدقّة و البراعة القويتين منه.
فإن قلت: قد مضى أنّ المقبولة و المشهورة المتقدّمتين غير آبيتين عن الرّجوع إلى المتجزّي إذا استنبط مقداراً معتدّاً به من الأحكام، و جازَ قضاؤه و نفذ حكمه، فلما ذا لا يجوز أخذ الفتوى منه؟
قلت: إنّ مورد الروايتين هو القضاء و الحكومة و هما غير أخذ الفتوى، و عدم اشتراط الاجتهاد المطلق فضلًا عن الأعلمية في نفوذ القضاء، لا يكون دليلًا على عدم اشتراطهما في الفتوى، ضرورة أنّ اشتراط الأعلمية في القاضي موجب لسد باب القضاء في وجه الأُمّة إلّا في بلد يعيش فيه الأعلم، و هو واضح البطلان بخلاف اشتراطهما في أخذ الفتوى أو المفتي، فإنّ فتواه تكفي لجميع الأُمّة.
و أمّا الثالث: و هو نفوذ قضائه، فقد عرفت حقّ الكلام فيه، فلا نعيد.