الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٧ - حصيلة البحث
بعث النبي معاذاً إلى اليمن و قال له: «كيف تقضي إذا عرض لك القضاء؟ قال: أقضي بكتاب اللّه، قال: فإن لم تجد في كتاب اللّه؟ قال: بسنّة رسول اللّه ...» ( [١]). أ تظنّ أنّ معاذاً كان مسلّطاً على جميع الأحكام الشرعية يوم ذاك.
و قد كتب الإمام عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام) إلى و اليه مالك الأشتر (رضي الله عنه) في عهده: «ثمّ اختر للحكم بين النّاس أفضل رعيّتك في نفسك ممّن لا تضيق به الأُمور و لا تمحكه ( [٢]) الخصوم- إلى أن قال (عليه السلام):- و أوقفهم في الشبهات و آخذهم بالحجج ...» ( [٣]) فهل كانت مصر آنذاك تطفح بفقهاء و مجتهدين مسلّطين على جميع الأحكام الشرعية؟ نعم كانوا يحفظون من الكتاب و السنة و عمل الخلفاء أشياء يقضون و يحكمون بها، فلو كان الاجتهاد المطلق شرطاً، لعطّل باب القضاء في مصر.
نعم كلّما تقدّمت الحضارة الإسلامية و تفتّحت العقول، و ازداد العلماء علماً و فهماً، و عدداً و كميّة، تسنّم منصب القضاء من له خبرة كاملة في الفقه و علم بحدود الشريعة علماً محيطاً، إلّا أنّ ذلك ليس بوازع دينيّ، بل كان نتيجة لسير العلم و تقدّمه و ازدهار الثقافة.
نعم أخذ القضاء في عصرنا لوناً فنياً، و صار عملًا يحتاج إلى التدريب و التمرين.
فلا مناص عن إشراف قاض ذي تجربة و ممارسة، على عمل القضاة المتجزّءين في الاجتهاد حتى تحصل لهم قدم راسخة لا تزلّ بفضله سبحانه.
[١] جامع الأُصول من أحاديث الرّسول لابن الأثير: ١٠/ ٥٥١ رقم ٧٦٥١، الفصل السادس: في كيفية الحكم.
[٢] أمحكهُ: جعله محكان أي: عسر الخلق، لجوج.
[٣] نهج البلاغة: ٢/ ٩٤ رقم ٥٢ قسم الكتب و الرّسائل، شرح الشيخ محمد عبده.