الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٥٥ - ما هو مقتضى الأدلّة الاجتهادية
أقول: فيها أيضاً تلميح إلى الترجيح في الإفتاء، لأنّ اختلاف الحكمين قد ينشأ من الاختلاف في الأُمور الخارجيّة و أُخرى من الاختلاف في الفتوى، و مورد الثاني هو الرّواية، فيكون دليلًا صريحاً على الترجيح بالأعلميّة عند اختلاف أرباب الفتوى في القضاء و مومياً إليه في غيره كما لا يخفى.
٥- قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده إلى مالك الأشتر: «ثمّ اختر للحكم بين النّاس أفضل رعيّتك في نفسك ممّن لا تضيق به الأُمور و لا تمحكه الخصوم ( [١]) و لا يتمادى في الزلّة و لا يحصر ( [٢]) من الفيء ( [٣]) إلى الحقّ إذا عرفه، و لا تشرف نفسه على طمع و لا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه، و أوقفهم في الشّبهات، و آخذهم بالحجج و أقلّهم تبرّماً ( [٤])، بمراجعة الخصم و أصرّهم على تكشّف الأُمور ...» ( [٥]).
يلاحظ عليه: أنّ المتبادر من الأفضل بقرينة الجمل المتعقّبة هو المتجلي بالفضائل النّفسانيّة من كونه خاضعاً للحقّ، غير لجوج، و آخذاً له إذا عرفه، حتى أنّ المراد من «آخذهم بالحجج» هو المحتاط في أُموره، و أين ذلك من الأفقهيّة.
٦- قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «من تعلّم علماً ليماري به السّفهاء، أو ليباهي به العلماء، أو يصرف به النّاس إلى نفسه، يقول: أنا رئيسكم، فليتبوّأ مقعده من النّار، إنّ الرّئاسة لا تصلح إلّا لأهلها، فمن دعى النّاس إلى نفسه و فيهم من هو أعلم منه، لم ينظر اللّه إليه يوم القيامة» ( [٦]).
يلاحظ عليه: أنّ المراد من الرّئاسة هي الإمامة بعد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و يلزم أن يكون
[١] يقال: محك الرّجل: إذا لجّ في الخصومة و المنازعة.
[٢] أي: لا يضيق صدره.
[٣] الفيء: الرّجوع.
[٤] الملل و الضّجر.
[٥] نهج البلاغة قسم الرّسائل و الكتب رقم ٥٣.
[٦] بحار الأنوار: ٢/ ١١٠ ح ١٦.