الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١١٠ - الجواب
شبهة حول الاجتهاد الدّارج في عصرنا:
ربّما يختلج في أذهان بعض القصّر من النّاس عدم مشروعية الاجتهاد الدّارج في أعصارنا هذه مستدلًا بأنّ الفقه فيها أخذ لنفسه صورة فنيّة، و جاء على طراز سائر العلوم العقليّة الفكرية بعد ما كان في أعصار المتقدمين من العلوم البسيطة المبنيّة على سماع الأحكام من النبيّ و الأئمة (عليهم السلام) و بثها بين الناس من دون اجتهاد من الرّاوي في تشخيص حكم اللّه تعالى بترجيح دليل على آخر أو تقييده أو تخصيص واحد بالآخر إلى غير ذلك من الأُصول الدّارجة في زماننا.
الجواب:
إنّ ذلك أشبه شيء بالشّبهة و يمكن الإجابة عنها بوجهين:
الأوّل: إنّ الاجتهاد بالمعنى الوسيع و إعمال النظر في الرّوايات و التدقيق في دلالتها و ترجيح بعضها على بعض، كان موجوداً في أعصارهم، دارجاً بين أصحابهم (عليهم السلام)، فإنّ الاجتهاد و إن توسّع نطاقه في أعصارنا و بلغ مبلغاً عظيماً، إلّا أنّ أصله بالمعنى الجامع بين عامّة مراتبه كان دارجاً في تلك العصور، و إنّ الأئمة (عليه السلام) أرجعوا شيعتهم إلى فقهاء أعصارهم، و كانت السيرة آنذاك هي الرّجوع إليهم من دون تزلزل و تردّد، و الدالُّ على وجود الاجتهاد بهذا المعنى آنذاك عدّة من الرّوايات و هي كالتّالي:
الأُولى: ما رواه ابن إدريس (رضي الله عنه) في «مستطرفات السرائر» نقلًا عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنمّا علينا أن نلقي إليكم الأُصول و عليكم أن تفرّعوا» ( [١]).
[١] الوسائل: ١٨/ ٤٠ ح ٥١، كتاب القضاء، الباب ٦ من أبواب صفات القاضي.