الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٠٨ - الاجتهاد في عصر الصحابة و التّابعين
و هذه الكلمة الأخيرة «و تحريم ما عداها» تكشف عن أعظم المصائب على الإسلام، حيث إنّه قد مضى من الإسلام ما يقرب من سبعة قرون و مات فيها على دين الإسلام ما لا يحصي عددهم إلّا ربّهم، و لم يسمع أحد من أهل القرنين الأوّلين اسم المذاهب الأربعة أبداً، ثمّ فيما بعد القرنين كان المسلمون بالنّسبة إلى الأحكام الفرعيّة في غاية من السّعة و الحريّة، و كان عاميّهم يقلّد من اعتمد عليه من المجتهدين و كان المجتهدون يستنبطون الأحكام من الكتاب و السنّة على طبق الموازين المقرّرة عندهم في العمل بالسنّة النبويّة.
فأيّ شيء أوجب في هذا التاريخ على عامة المسلمين «عاميّهم و مجتهدهم» أن لا يخرج أحد في الأحكام الشرعيّة عن حدّ تقليد الأئمّة الأربعة، و بأيّ دليل شرعيّ صار اتّباع أحد المذاهب الأربعة واجباً تخييريّاً، و الرّجوع إلى ما ورائها حراماً و إثماً، مع علمنا بأحوال جميع المذاهب من بدئها و كيفيّة انتشارها و تأثير العوامل في تقدّم بعضها على غيرها بالقهر و الغلبة من الدّولة و الحكومة كما أفصح عن بعض ذلك ما ذكره ابن الفوطيّ في «الحوادث الجامعة ص (٢١٦) في وقائع سنة (٦٤٥)» يعني قبل انقراض بني العبّاس بإحدى عشر سنة في أيام «المستعصم» الّذي قتله «هولاكو» سنة (٦٥٦) فلاحظ ذلك الكتاب ( [١]).
هذا بالنسبة إلى أهل السنّة، و أمّا الشّيعة، فتختلف عنهم في الحاجة إلى الاجتهاد بعد رحيل النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و ذلك لأمرين:
الأوّل: إنّ النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و إن كان خاتم النبيّين و كتابه خاتم الكتب السّماويّة و بموته انقطع الوحي و خبر السّماء عن الأرض، إلّا أنّ العترة الطاهرة
[١] راجع «تاريخ حصر الاجتهاد» للعلّامة الطهراني: ١٠٤ و ١٠٥.