تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٥٤ - ٣٣٩٨ ـ عبدالله ـ يقال بن عثمان بن قحافة بن عامر ابن عمرو بن كعب بن سعيد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي أبوبكر الصديق خليفة رسول الله
قيل لعمرو بن العاص : ما أشدّ ما رأيتهم بلغوا من رسول الله ٦ ، قال عمرو : أشدّ شيء [١] بلغ من رسول الله ٦ فيما رأيت ـ أنهم تذامروا [٢] عليه حين مرّ بهم ضحّى عند الكعبة ، فقالوا : يا محمّد أنت تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا ، فقال لهم رسول الله ٦ : «أنا ذلكم» ، فأخذ أحدهم برأسه ، قال : وأبو بكر آخذ بحضن رسول الله ٦ من ورائه ، يريد أن ينزعه منهم وهو يصيح : يا قوم (أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ ، وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ، وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ)[٣] ، قال : تردد أبو بكر هذه الآية وعيناه تسفحان فلم يزل على ذلك حتى انفرجوا عن رسول الله ٦.
أخبرنا أبو سهل محمّد بن إبراهيم ، ثنا عبد الرّحمن بن أحمد بن الحسين ، نا جعفر بن عبد الله بن يعقوب ، ثنا محمّد بن هارون ، أنبأ أبو جعفر محمّد بن الحجّاج الحضرمي ، نا أسد بن موسى ، نا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، نا محمّد بن إسحاق ، عن يحيى بن عروة ، عن أبيه قال :
قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص : ما أشد ما رأيت قريشا بلغت من رسول الله ٦؟ قال : أمر والله إنّي بذاك العالم ، قال : قلت : وما هو؟ قال : اجتمعت يوما قريشا في الحجر وأنا معهم أسمع ما يقولون ، فقال بعضهم لبعض : ما رأينا مثل ما بلغ هذا الرجل منا قط ، ما أدخل رجل على قوم مثل ما أدخل علينا ، فرّق جماعتنا ، وشتّت أمرنا ، وعاب ديننا ، وسب آباءنا ، وسفّه أحلامنا ، فما يدري على ما ندعه ، فبينا هم على ذلك إذ أقبل رسول الله ٦ حتى أتى الركن ، ثم مرّ بهم طائفا فغمزوه ببعض الكلام فعرفتها والله في وجهه ، ثم تقدّم حتى مرّ بهم في الطواف الثالث ، فغمزوه بمثلها ، فقال : «يا معشر قريش لقد جئتم بالذبح» .... [٤] والله القوم حتى ما فيهم رجل إلّا كأنما على رأسه طير واقع حتى أن أشدهم فيه وصاة لسرفاه [٥] بأحسن ما يجد من القول ، حتى أنه ليقول له : يا أبا القاسم ما كنت جهولا ، قال : فانصرف رسول الله ٦ وتفرّقوا حتى إذا
[١] بالأصل : شر ، والمثبت عن مختصر ابن منظور ١٣ / ٤٦.
[٢] كذا ، وفي مختصر ابن منظور : تآمروا.
[٣] سورة غافر ، الآية : ٢٨.
[٤] كلمة غير واضحة بالأصل.
[٥] كذا رسمها.