تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٤١٨ - ٣٣٩٨ ـ عبدالله ـ يقال بن عثمان بن قحافة بن عامر ابن عمرو بن كعب بن سعيد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي أبوبكر الصديق خليفة رسول الله
وما لقيت منكم أيها المهاجرين أشدّ من وجعي هذا ، إنّي ولّيت أمركم خيركم في نفسي وكلكم ورم من ذلك أنفه يريد أن يكون الأمر له ، وكانت الدنيا قد أقبلت ولمّا تقبل ، وهي مقبلة حتى تتخذوا ستور الحرير ، ونضائد الديباج ، وحتى يألم أحدكم على الصوف الآدمي [١] كما يألم أحدكم على حسك السّعدان [٢] فو الذي نفسي بيده لأن يقدم أحدكم ، فيضرب عنقه من غير حدّ خير له من أن يخوض غمرة الدنيا ، ثم أنتم غدا أوّل ضال بالناس ، يمينا وشمالا لا تصفعونهم على الطريق ، يا هادي الطريق جرت إنّما هو الفجر أو البحر.
قال : فقال له عبد الرّحمن : خفّض عليك يرحمك الله ، فإن هذا يهيضك [٣] لما بك ، إنّما الناس في أمرك رجلان : إما رجل رأى ما رأيت فهو معك ، وإما رجل رأى ما لم تر فهو يشير عليك بما تعلم ، وصاحبك كما تحب ، أو كما يحب ، ولا نعلمك أردت إلّا الخير ، ولم تزل صالحا مصلحا مع أنك لا تأسى من الدنيا قال : أجل ، والله ما أصبحت آسى من الدنيا على شيء إلّا على ثلاث فعلتهن ، وثلاث ألّا أكون سألت رسول الله ٦ عنهن.
فأما الثلاث التي فعلتهن : فوددت أني تركتهن أني يوم سقيفة بني ساعدة ألقيت هذا الأمر في عنق هذين الرجلين ـ يعني عمر وأبا عبيدة ـ فكان أحدهما أميرا وكنت وزيرا ، وددت أني لم أكن كشفت بيت فاطمة عن شيء مع أنهم أغلقوه على الحرب ، ووددت أني لم أكن حرّقت الفجاءة السلمى وأني كنت قتلته سريحا ، أو خليته نجيحا.
وأما الثلاث التي تركتهن ووددت أني كنت فعلتهن : وددت أنّي يوم وجّهت خالد بن الوليد إلى أهل الشام وجهت عمر بن الخطاب إلى أهل العراق ، فكنت قد بسطت كلتا يدي في سبيل الله ، ووددت أنّي حين أتيت بالأشعث بن قيس أسيرا ضربت عنقه ، فإنّه يخيل إليّ أنه لا يرى شرا إلّا أعان عليه ، ووددت أني سألت رسول الله ٦ لمن هذا الأمر بعده؟ فلا ينازعه أحد ، ووددت أنّي سألت رسول الله ٦ هل للأنصار فيه شيء؟ ووددت أني سألت رسول الله ٦ عن ميراث بنت الأخ والعمّة ، فإن في نفسي منها شيء.
[١] كذا بالأصل وم ، وفي مختصر ابن منظور : «الأذربي».
[٢] السعدان : نبت له شوك كبار.
[٣] يهيضك ، هاضه الأمر يهيضه هيضا ، والهيض : الكسر بعد الجبر ، وهو أشد ما يكون من الكسر.