تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٤٤١ - ٣٣٩٨ ـ عبدالله ـ يقال بن عثمان بن قحافة بن عامر ابن عمرو بن كعب بن سعيد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي أبوبكر الصديق خليفة رسول الله
الكافرين ، وكره الحاسدين ، وصغر الفاسقين ، وغيظ الباغين ، وقمت بالأمر حين فشلوا ، ونطقت إذ تعففوا ، مضيت بالفوز إذ وقفوا ، واتبعوك فهدوا ، كنت أخفضهم صوتا ، وأعلاهم فوقا ، وأقلهم كلاما وأصوبهم منطقا ، وأطولهم صمتا وأصوبهم قولا ، وأكثرهم رأيا وأشجعهم نفسا ، وأعرفهم بالأمور ، وأشرفهم عملا ، كنت والله للذين تغشونا أولا حين نفر عنه الناس ، وآخرا حين أقبلوا ، كنت للمؤمنين أبا رحيما حين صاروا عليك عيالا ، فحملت أثقال ما ضعفوا ، ورعيت ما أهملوا ، وحفظت ما أضاعوا ، وعلمت ما جهلوا ، فشمّرت إذ خفضوا ، وعلوت إذ خلعوا ، وصبرت حين جزعوا ، فأدركت أوتار ما طلبوا ، وراجعوا رشدهم برأيك فظفروا ، ونالوا بك ما لم يحتسبوا ، كنت على الكافرين عذابا صبا ولهبا ، وللمؤمنين رحمة وأنسا وحصنا ، فطرت والله بغنائها وفزت بخبائها ، وذهبت بفضائلها ، وأدركت سوابقها ، لم تقلّل حجتك ، ولم تضعف بصيرتك ، ولم تجبن نفسك ، ولم يزغ قلبك [١] ، كنت كالجبل لا تحركه العواصف ، ولا تزيل العواصف ، كما قال رسول الله ٦ آمن الناس عليه في صحبتك ، وذات يدك ، وكنت كما قال ضعيفا في بدنك قويا في أمر الله ، متواضعا في نفسك ، عظيما عند الله ، جليلا في أعين المؤمنين كبيرا في أنفسهم ، لم يكن لأحد فيك مغمز ، ولا لقائل فيك مهمز ، ولا لأحد فيك مطمع ، ولا لمخلوق عندك هوادة ، الضعيف الذليل قوي عزيز حتى تأخذ بحقه ، القوي العزيز عندك ضعيف حتى تأخذ منه الحق ، القريب والبعيد عندك في ذلك سواء ، أقرب الناس إليك أطوعهم لله عزوجل وأتقاهم له ، شأنك الحق والصدق والرفق ، قولك حكم وحتم [٢] وأمرك حلم وحزم [٣] ، ورأيك علم وعزم ، فأقلعت وقد نهج السبيل ، وسهل الطريق ، وأطفئت النيران ، واعتدل بك الدين ، وقوي بك الإيمان ، وثبت بك الإسلام ، والمسلمون ، فظهر أمر الله ولو كره الكافرون ، فجليت عنهم فأبصروا ، فسبقت والله سبقا بعيدا ، وأتعبت من بعدك إتعابا شديدا ، وفزت بالخير فوزا مبينا ، فجللت عن البكاء ، وعظمت رتبتك في السماء ، وجلت مصيبتك في الأنام ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، رضينا عن الله بقضائه ، وسلّمنا له أمره ، فو الله لن يصاب [٤] المسلمون بعد رسول الله ٦ بمثلك أبدا ، كنت للدين عزا
[١] بعدها بالأصل وم : ولم يحر ، والمثبت يوافق الرواية السابقة.
[٢] بالأصل : وخيم ، والمثبت عن م.
[٣] بالأصل وم : «وجزم» أثبتنا ما ورد في الرواية السابقة.
[٤] في م : تصاب.