إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ١٢٢ - ٤٥ - و من كتاب له عليه السلام إلى عثمان بن حنيف الأنصاري و كان عامله على البصرة و قد بلغه أنه دعي إلى وليمة قوم من أهلها، فمضى إليها
أَ أَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ: هَذَا أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ، وَ لاَ أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ اَلدَّهْرِ، أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ اَلْعَيْشِ! فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ اَلطَّيِّبَاتِ، كَالْبَهِيمَةِ اَلْمَرْبُوطَةِ، هَمُّهَا عَلَفُهَا، أَو اَلْمُرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا[١]، تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلاَفِهَا[٢]، وَ تَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا، أَوْ أُتْرَكَ سُدًى، أَوْ أُهْمَلَ عَابِثاً، أَوْ أَجُرَّ[٣] حَبْلَ اَلضَّلاَلَةِ، أَوْ أَعْتَسِفَ[٤] طَرِيقَ اَلْمَتَاهَةِ[٥]! وَ كَأَنِّي بِقَائِلِكُمْ يَقُولُ: «إِذَا كَانَ هَذَا قُوتُ اِبْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَدْ قَعَدَ بِهِ اَلضَّعْفُ عَنْ قِتَالِ اَلْأَقْرَانِ، وَ مُنَازَلَةِ اَلشُّجْعَانِ». أَلَا وَ إِنَّ اَلشَّجَرَةَ اَلْبَرِّيَّةَ أَصْلَبُ عُوداً، وَ اَلرَّوَاتِعَ اَلْخَضِرَةَ أَرَقُّ جُلُوداً، وَ اَلنَّابِتَاتِ اَلْعِذْيَةَ أَقْوَى وَقُوداً، وَ أَبْطَأُ خُمُوداً. وَ أَنَا مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ كَالضَّوْءِ مِنَ اَلضَّوْءِ وَ اَلذِّرَاعِ مِنَ اَلْعَضُدِ. وَ اَللَّهِ لَوْ تَظَاهَرَتِ اَلْعَرَبُ عَلَى قِتَالِي لَما وَلَّيْتُ عَنْهَا، وَ لَوْ أَمْكَنَتِ اَلْفُرَصُ مِنْ رِقَابِهَا لَسَارَعْتُ إِلَيْهَا. وَ سَأَجْهَدُ فِي أَنْ أُطَهِّرَ اَلْأَرْضَ مِنْ هَذَا اَلشَّخْصِ اَلْمَعْكُوسِ، وَ اَلْجِسْمِ اَلْمَرْكُوسِ، حَتَّى تَخْرُجَ اَلْمَدَرَةُ مِنْ بَيْنِ حَبِّ اَلْحَصِيدِ.
وَ مِنْ هَذَا اَلْكِتَابِ وَ هُوَ آخِرُهُ:
إِلَيْكِ عَنِّي يَا دُنْيَا، فَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ[٦]، قَدِ اِنْسَلَلْتُ[٧] مِنْ مَخَالِبِكِ[٨]،
[١] التَقَمُّمُ: أكل الشاة ما بين يديها بمقمتّها، أي بشفتها.
[٢] تكْتَرشُ مِنْ أَعْلافِها: أي تملأ كرشها من العلف، و الكرش للشاة بمنزلة المعدة للإنسان.
[٣] أَجُرَّ: أجررته رسنه: أي أهملته.
[٤] الأعتسافَ: السلوك في غير الطريق.
[٥] المتَاهَةِ: أرض يتاه فيها لعدم وجود الطريق.
[٦] الغَارِب: جمع غوارب: الكاهل، أو بين الظهر أو السنام و العنق، حبلك على غاربك: كناية من كنايات الطلاق، أي اذهبي حيث شئت، لأنّ الناقة إذا القي حبلها على غاربها فقد فسح لها أن ترعى حيث شاءت و تذهب حيث شاءت.
[٧] انْسَلَلْتُ: سل الشيء أخرجه برفق.
[٨] المَخَالِبِ: جمع مخلب: و هي للطيور الجوارح.