إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٢٤٦ - الأصل
الأصل
ثُمَّ اِعْلَمْ يَا مَالِكُ، أَنِّي قَدْ وَجَّهْتُكَ إِلَى بِلاَدٍ قَدْ جَرَتْ عَلَيْهَا دُوَلٌ قَبْلَكَ، مِنْ عَدْلٍ وَ جَوْرٍ، وَ أَنَّ اَلنَّاسَ يَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ فِي مِثْلِ مَا كُنْتَ تَنْظُرُ فِيهِ مِنْ أُمُورِ اَلْوُلاَةِ قَبْلَكَ، وَ يَقُولُونَ فِيكَ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِيهِمْ، وَ إِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى اَلصَّالِحِينَ بِمَا يُجْرِي اَللَّهُ لَهُمْ عَلَى أَلْسُنِ عِبَادِهِ، فَلْيَكُنْ أَحَبَّ اَلذَّخَائِرِ إِلَيْكَ ذَخِيرَةُ اَلْعَمَلِ اَلصَّالِحِ، فَامْلِكْ هَوَاكَ، وَ شُحَّ بِنَفْسِكَ عَمَّا لاَ يَحِلُّ لَكَ، فَإِنَّ اَلشُّحَّ بِالنَّفْسِ اَلْإِنْصَافُ مِنْهَا فِيمَا أَحَبَّتْ أَوْ كَرِهَتْ. وَ أَشْعِرْ قَلْبَكَ اَلرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَ اَلْمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَ اَللُّطْفَ بِهِمْ، وَ لاَ تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً[١] تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي اَلدِّينِ وَ إِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي اَلْخَلْقِ، يَفْرُطُ مِنْهُمُ اَلزَّلَلُ، وَ تَعْرِضُ لَهُمُ اَلْعِلَلُ، وَ يُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي اَلْعَمْدِ وَ اَلْخَطَإِ، فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَ صَفْحِكَ[٢] مِثْلِ اَلَّذِي تُحِبُّ وَ تَرْضَى أَنْ يُعْطِيَكَ اَللَّهُ مِنْ عَفْوِهِ وَ صَفْحِهِ، فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ، وَ وَالِي اَلْأَمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ، وَ اَللَّهُ فَوْقَ مَنْ وَلاَّكَ! وَ قَدِ اِسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ، وَ اِبْتَلاَكَ بِهِمْ. وَ لاَ تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اَللَّهِ فَإِنَّهُ لاَ يَدَي* لَكَ بِنِقْمَتِهِ، وَ لاَ غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِهِ وَ رَحْمَتِهِ. وَ لاَ تَنْدَمَنَّ عَلَى عَفْوٍ، وَ لاَ تَبْجَحَنَّ[٣] بِعُقُوبَةٍ، وَ لاَ تُسْرِعَنَّ إِلَى بَادِرَةٍ[٤] وَجَدْتَ مِنْهَا مَنْدُوحَةً[٥]، وَ لاَ تَقُولَنَّ: إِنِّي مُؤَمَّرٌ آمُرُ فَأُطَاعُ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِدْغَالٌ[٦]
[١] ضَارِياً: الضاري: المعتاد للصّيد، الجرىء عليه.
[٢] الصَّفْح: الإعراض عن الذنب و غفرانه.
(*) و في نسخةٍ (لا يَدَ) بدل (لا يَدَي).
[٣] تَبْجَحَنَّ: البجح بسكون الجيم: الفرح و السرور.
[٤] البَادِرَةِ: الحدّة.
[٥] المَنْدُوْحَةً: السّعة في الأمر و عدم الضيق و الاضطرار.
[٦] الإدْغَالٌ: إدخال الفساد في الأمر.