إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٣٨٦ - الأصل
الأصل
ثُمَّ اُنْظُرْ فِي حَالِ كُتَّابِكَ[١] فَوَلِّ عَلَى أُمُورِكَ خَيْرَهُمْ، وَ اُخْصُصْ رَسَائِلَكَ اَلَّتِي تُدْخِلُ فِيهَا مَكَايِدَكَ[٢] وَ أَسْرَارَكَ بِأَجْمَعِهِمْ لِوُجُوهِ صَالِحِ اَلْأَخْلاَقِ، مِمَّنْ لاَ تُبْطِرُهُ[٣] اَلْكَرَامَةُ، فَيَجْتَرِئَ بِهَا عَلَيْكَ فِي خِلاَفٍ لَكَ بِحَضْرَةِ مَلَإٍ[٤]، وَ لاَ تَقْصُرُ بِهِ اَلْغَفْلَةُ عَنْ إِيرَادِ مُكَاتَبَاتِ عُمِّالِكَ عَلَيْكَ، وَ إِصْدَارِ جَوَابَاتِهَا عَلَى اَلصَّوَابِ عَنْكَ، فِيمَا* يَأْخُذُ لَكَ وَ يُعْطِي مِنْكَ، وَ لاَ يُضْعِفُ عَقْداً[٥] اِعْتَقَدَهُ لَكَ، وَ لاَ يَعْجِزُ عَنْ إِطْلاَقِ مَا عُقِدَ عَلَيْكَ، وَ لاَ يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفْسِهِ فِي اَلْأُمُورِ، فَإِنَّ اَلْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بِقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ. ثُمَّ لاَ يَكُنِ اِخْتِيَارُكَ إِيَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِكَ[٦] وَ اِسْتِنَامَتِكَ[٧] وَ حُسْنِ اَلظَّنِّ مِنْكَ، فَإِنَّ اَلرِّجَالَ يَتَعَرَّضُونَ لِفِرَاسَاتِ اَلْوُلاَةِ بِتَصَنُّعِهِمْ وَ حُسْنِ خِدْمَتِهِمْ، وَ لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ اَلنَّصِيحَةِ وَ اَلْأَمَانَةِ شَيْءٌ. وَ لَكِنِ اِخْتَبِرْهُمْ بِمَا وُلُّوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَكَ، فَاعْمِدْ لِأَحْسَنِهِمْ كَانَ فِي اَلْعَامَّةِ أَثَراً، وَ أَعْرَفِهِمْ بِالْأَمَانَةِ وَجْهاً، فَإِنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى نَصِيحَتِكَ لِلَّهِ وَ لِمَنْ وُلِّيتَ أَمْرَهُ. وَ اِجْعَلْ لِرَأْسِ كُلِّ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِكَ رَأْساً مِنْهُمْ لاَ يَقْهَرُهُ
[١] كُتّاب: جمع كاتب: من يتولّى ديوان المكاتبات.
[٢] مَكَائِدَ: جمع مكيدة: تدبير سرّي تجاه العدوّ.
[٣] لا تُبْطِرُهُ: و قد تكرّر في الحديث ذكر البطر و هو كما قيل: سوء احتمال الغنى و الطغيان عند النّعمة و يقال: هو التجبّر و شدّة النشاط، و قد بطر بالكسر يبطر بالفتح. [مجمع البحرين]
[٤] المَلإِ: الملأ: قيل: الملأ جماعة من النّاس يملئون العين و القلب هيبة، و قيل: هم أشراف الناس و رؤساؤهم الّذين يرجع إلى قولهم.
(*) و في نسخةٍ (و فيما) بالواو العاطفة بدل (فيما).
[٥] العقْدِ: المعاهدة في أمر بين اثنين.
[٦] فرَاستِكَ: الفراسة: بالكسر الاسم من قولك تفرّست فيه خيرا، و هي نوعان أحدهما ما يوقعه الله في قلوب أوليائه فيعلمون بعض أحوال النّاس بنوع من الكرامات و إصابة الحدس و الظن و هو ما دلّ عليه ظاهر الحديث: اتّقوا فراسة المؤمن فانّه ينظر بنور الله، و ثانيهما نوع يعلم بالدّلائل و التجارب.
[٧] اسْتِنَامَتِكَ: استنام إلى كذا: سكن إليه.