إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ١٢١ - ٤٥ - و من كتاب له عليه السلام إلى عثمان بن حنيف الأنصاري و كان عامله على البصرة و قد بلغه أنه دعي إلى وليمة قوم من أهلها، فمضى إليها
وَ لاَ حُزْتُ مِنْ أَرْضِهَا شِبْراً، وَ لاَ أَخَذْتُ مِنْهُ إِلاَّ كَقُوتِ أَتَانٍ دَبِرَةٍ، وَ لَهِيَ فِي عَيْنِي أَوْهَى وَ أَوْهَنُ مِنْ عَفْصَةٍ مَقِرَةٍ. بَلَى! كَانَتْ فِي أَيْدِينَا فَدَكٌ[١] مِنْ كُلِّ مَا أَظَلَّتْهُ اَلسَّمَاءُ، فَشَحَّتْ[٢] عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ، وَ سَخَتْ عَنْهَا[٣] نُفُوسُ قَوْمٍ آخَرِينَ، وَ نِعْمَ اَلْحَكَمُ اَللَّهُ.
وَ مَا أَصْنَعُ بِفَدَكٍ وَ غَيْرِ فَدَكٍ، وَ اَلنَّفْسُ مَظَانُّهَا[٤] فِي غَدٍ جَدَثٌ[٥] تَنْقَطِعُ فِي ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا، وَ تَغِيبُ أَخْبَارُهَا، وَ حُفْرَةٌ لَوْ زِيدَ فِي فُسْحَتِهَا، وَ أَوْسَعَتْ يَدَا حَافِرِهَا، لَأَضْغَطَهَا اَلْحَجَرُ[٦] وَ اَلْمَدَرُ، وَ سَدَّ فُرَجَهَا اَلتُّرَابُ اَلْمُتَرَاكِمُ، وَ إِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى لِتَأْتِيَ آمِنَةً يَوْمَ اَلْخَوْفِ اَلْأَكْبَرِ، وَ تَثْبُتَ عَلَى جَوَانِبِ اَلْمَزْلَقِ. وَ لَوْ شِئْتُ لاَهْتَدَيْتُ اَلطَّرِيقَ، إِلَى مُصَفَّى هَذَا اَلْعَسَلِ، وَ لُبَابِ هَذَا اَلْقَمْحِ[٧]، وَ نَسَائِجِ هَذَا اَلْقَزِّ. وَ لَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ، وَ يَقُودَنِي جَشَعِي[٨] إِلَى تَخَيُّرِ اَلْأَطْعِمَةِ - وَ لَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوْ اَلْيَمَامَةِ مَنْ لاَ طَمَعَ لَهُ فِي اَلْقُرْصِ، وَ لاَ عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ - أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً[٩] وَ حَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى[١٠] وَ أَكْبَادٌ حَرَّى، أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ اَلْقَائِلُ:
وَ حَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ[١١] وَ حَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى اَلْقِدِّ[١٢]
[١] فدكٌ: قرية من قرى اليهود بينها و بين مدينة النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم يومان، و بينها و بين خيبر دون مرحلة. [مجمع البحرين]
[٢] شَحَّت: الشحّ: البخل مع حرص فهو أشدّ من البخل.
[٣] سخت عنها: سخوت نفسي عن الشيء: تركته.
[٤] المَظانُّ: جمع مظنّة: موضع الشيء و مألفه الَّذي يكون فيه.
[٥] الجَدَث: القبر.
[٦] أضغطها الحجر: جعلها ضاغطة.
[٧] القَمح: الحنطة.
[٨] الجشع: أشدّ الحرص.
[٩] المِبطَان: الّذي لا يزال عظيم البطن من كثرة الأكل، فأمّا المبطن: فالضامر البطن، و أمّا البطين فالعظيم البطن بالخلقة، و أمّا البطن: فهو الّذي لا يهمّه إلاّ بطنه، و أمّا المبطون فالعليل البطن.
[١٠] بُطون غرثى: جائعة.
[١١] البطنة: الكظّة، و ذلك أن يمتلئ الانسان من الطّعام امتلاء شديداً.
[١٢] القِدِّ: إناء من جلد يدّخر فيها الغذاء، أو بمعنى القديد: اللحم المشويّ المقدّد الّذي يجفّ بالشّمس و يدّخره أهل البادية يتغذّون به.