رحلة إلي عرب أهوار العراق - ويلفرد فيسجر - الصفحة ٢٣٨ - ١٧- مراسيم العزاء
ترسو أو يتم دفعها لترحل لأنه لا يفصلنا عن الساحل سوى جدار مصنوع من الحصير، كانت العصافير تزقزق بين أقواس القصب العظيمة في السقف و لا تبالي بوجود الحاضرين.
ثم نهض عدد كبير من الجالسين و قدم غيرهم أقل منهم عددا لذلك ظهرت الفجوات الواسعة بين الجالسين حول الجدران.
و كنت قد اعتدت الجلوس على الأرض من جراء تجوالي لسنوات طويلة أجوب فيها صحراء الجزيرة العربية. لكنني الآن بدأت أشعر بوجود ألم في جسمي من جراء تصلب العضلات. و ما أن نهض الشيخ مجيد من مكانه و غادر المضيف و تهيأ الآخرون لتأدية صلاة المغرب حتى خرجت من المضيف أبحث عن داير. و لما رأيته، سألته عن المدة التي يجب أن أبقى فيها فأجابني قائلا: «يعرف الكل أنك صديق فالح. أعتقد يتوقعون منك أن تبقى يومين آخرين. تعال هسه وياي و اجلس مع بعض أصدقائك». ثم قادني نحو سقيفة طويلة من القصب كانت قد أقيمت خلال الأيام القليلة الماضية. و كنت قد خرجت مرة مع الشيخ فالح إلى هذا المكان حينما أردنا الذهاب للصيد و كانت الشمس مستقرة في كبد السماء أمامنا على شكل كرة و هاجة برتقالية اللون، و ذلك قبل إقامة هذه السقيفة.
رأيت في داخلها عدد من أتباع الشيخ فالح و هم جلوس حول موقد النار الصغير و أغطية رؤوسهم مصبوغة باللون الأزرق الداكنة كعلامة للحزن. رحّبوا بمقدمي بأسلوب لطيف و قدموا لي القهوة بكثرة. و من الأمور الحسنة أن العرب يصبون بضع قطرات منها في الفنجان حينما يقدمونها للضيف. أما أنا فقد شربت عددا لا يحصى من الفناجين في ذلك اليوم.
و في هذا الوقت، بعد أن حل الظلام، بدأت بنات آوى بعدائها المسائي من الساحل الكائن خلف النهر، كلها بصوت واحد، مرة يعلو