تقريرات في أصول الفقه - البروجردي، السيد حسين - الصفحة ٣٧ - اختلاف المعتزلة و الأشاعرة في معنى الكلام و الطلب
سلك النظام التامّ فيكون العلم الفعلي محيطا لها، فيلزم الجبر، و هو باطل.
و الجواب: [١] انّ الممكنات المترتبة بعضها على بعض على سبيل العلّية و المعلولية لها اعتباران: تارة يلاحظ وجودهما في الخارج، و اخرى علّية بعضها لبعض، فما يؤثر علم الباري فيه هو ترتب الممكن بالاعتبار الأول دون الثاني، فإنّ العلّية غير قابلة للجعل، بل هي تابعة لذات الأشياء، و كذا المعلول.
و الحاصل: انّ منشأ المؤاخذة يحتمل أحد أمرين:
(الأول) إرادة المكلّف الفعل كما هو مختار صاحب الكفاية.
و فيه: أنّ مجرّد الإرادة- إن كانت مصحّحة لحسن المؤاخذة- لحسن مؤاخذة الحيوانات بأفعالها، لأنّ لها أيضا إرادات تصدر منها الأفعال الإرادية، كما لا يخفى.
(الثاني) اختيار المكلّف بمعنى أنّ له رقائق ذاتية فبرقيقة الروح العلوي يميل الى عالم العلويات، و برقيقة الجهل السفلي يميل الى عالم السفليات، و مع ذلك له عقل حاكم بالحسن و القبح على القول بهما (كما هو الحق)، و بوجوب دفع الضرر المحتمل مطلقا مضافا الى تأيده بإرسال الرسل و إنزال الكتب و جعل الشرائع.
فاذا رجح مع ذلك كلّه الهوى النفسانية يكون هذا اختيارا موجبا لحسن المؤاخذة.
و يؤيد ما ذكرناه قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً* إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ [٢] نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً* إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ [٣] إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً [٤].
فانقدح بذلك دفع توهّم أنّ أفعالنا غير مستندة إلينا، بل الى الإرادة المسبوقة
[١] على ما هو ببالي القاصر.
[٢] إشارة الى الرقائق.
[٣] إشارة الى إرسال الرسل و إنزال الكتب.
[٤] الدهر: ١- ٣.