أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ١٩٤ - الباب الثامنعشر في التحذير من خدع المحتالين الذين يتسمون باسم الطب و الفرق بين خدعهم و الحيل الطبية
؟؟؟ بذلك قلب مولاه، فلما بحث جالينوس عن سببه لم يجد علامة لمرض بجسمه فيقضي امره، فعلم ان سببه خوف الفضيحة من نقصان ذلك المال، فأعلم مولاه بذلك و قال له اظهر انه ثقة و انه (لا) يحاسب فلما وثق الغلام بانه لا يحاسب عاد بدنه و قوى و برى في ثلاثة ايام.
و قد حكى جالينوس من امثال هذه الحيل النافعة حكايات كثيرة في كتابه من نوادر تقدمة المعرفة، و في كتابه في حيلة البرؤ و في غيرهما من اقاويله من التمس ذلك وجده. و أما هاهنا ففي ما كتبناه في هذا الباب كفاية و قد بقي ان اقول قولا نافعا اختتم بذكره هذا الباب، و هو نافع من التفرقة بين الدستكارية الحذاق و المتشبهين بهم فأقول: انك تجد الصنفين جميعا اذا دخلوا المدن قصدوا اظهار ما يدعونه من اعمالهم بضروب من الحيل فمنهم من يلاطف سلطان ذلك البلد بمعاجين (او أبحاث) حسنة في منظرها و في فعلها على ما يدعونه من المنافع التي يرغب كثير من الناس فيها فيدعى في بعضها انها تقوي و تجوّد الهضم و تحسن اللون و في اخرى تحفظ سواد الشعر و آخر يسوده و آخر يحرك شهوة الباه و يزيد في الانعاض من المعلوم ان فيما ذكرناه و امثاله يرغب كثير من الناس فبهذه و اشباهها يتوصلون الى ذوي الرئاسات و اليسار ليتوسطوا[١] بذلك مجالسهم و يقربون منهم و يفاوضونهم ليشهدوا[٢] لهم بالتقدم و خاصة مع ما[٣] يسمعون منهم من الدعاوى و احرى و أجدر ان عملوا عملا من اعمال اليد بحضرة بعضهم كالبطش بخنزير[٤] يقلع او قدح عين او بزل ماء او ما جانس ذلك فانهم بذلك تتم لهم الحيلة على باقي من في البلد. و ايضا فان لهم اقاويل ينادون بها في المدن يسمونها (التقربة) فاذا ترتب لواحد منهم مع من في البلد من السلطان او القاضي او من له التقدم بما تقدم ذكره من الملاطفة و الحيلة استعار حينئذ منه مركوبا و نادى بقوة قلب و ثقة بتلك التقربة و اكثر ما ينتفعوا بالتقربة في المدن الصغار لانه عليهم اسهل مراما و اقرب مأخذا، و لذلك صار اكثرهم يسلك بهذه الحيلة و بهذه التقربة من العلاج و غيره مما يدعيه لنفسه. و ليس
[١] وردت في الاصل( يتوسطون) و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] وردت في الاصل( ليشهدون) و الصحيح ما اثبتناه.
[٣] وردت في الاصل( معما) و الصحيح ما اثبتناه.
[٤] خنزير و جمعها خنازير، و هي الغدد التي تضخم و خاصة منها التي في الرقبة.